قالوا عن مْزاب


كان وادي مْزاب ، و لازال ، قبلة للعديد من الباحثين  و المفكرين و السياح و المستشرقين ، و قد أعجب الكثيرون بـ " ظاهرة مْزاب " ، التي شملت حضارة عمرانية تناسقت مع حضارة دينية و اجتماعية ، و نحن نعرض لكم هنا أقوال بعض المفكرين و الأساتذة ممن زاروا مْزاب و أعجبوا به و بأهله .

 

الشيخ أحمد توفيق المدني

" فهمت حق الفهم إخواننا المزابيين،عنصرا،ومذهبا،وأخلاقا،وسيرة،فاذا بهم من أكرم العناصر،ومن أزكى المذاهب،ومن أكمل الأخلاق،ومن أحسن السير " .
 


 

الأستاذ محمد الهادي الحسني ، مقال في جريدة البصائر  ، تحت عنوان " حب عقلي" :

(( يمازحني بعض الاخوة فيقولون:اننا نراك تحب أهل ميزاب أكثر من حبك لغيرهم من الجزائريين ، يدل على ذلك ترددك على واديهم أكثر من ترددك على مناطق البلاد الأخرى،ويبالغ بعض هذا البعض في المزاح فيقول لعلك على مذهب القائل:

 و ما حب الديار شغل قلبي   ***   ولكن حب من سكن الديار   

أو على مذهب القائل :

أذني لبعض الحي عاشقة    ***   و الأذن تعشق قبل العين أحيانا

و أرد قائلا :

 ما أبرئ نفسي من حب اخواني في م
يزاب ، بل اني أعترف بأنني أحبهم حبين ، حب المسلم لأخيه المسلم ، و حبا لأنهم أهل لذلك.

فحبي لاخواني في م
يزاب ليس هو ذلك الحب الذي يعمي ويصم حتى يصل الى درجة حب ذلك الأعرابي الذي أحب امرأة سوداء ، ليس فيها ما يحب فلما لامه اللائمون جادل عن نفسه يقوله: و أحبها حتى أحب لحبها سود الكلاب ، و ليس هو كحب الأعرابي الآخر الذي انتقلت عدوى حبه حبيبته الى بعيره الذي أحب ناقة حبيبته فقال:    

وأحبها و تحبني   ***    و يحب ناقتها بعيري

و لكنه حب يحكمه العقل الرصين ،
و يهيمن عليه التأمل الدقيق ، فاذا أحببتهم أكثر من غيرهم فلأنني أجد فيهم كثيرا مما لا أجده في مناطق كثيرة من وطني ، أجد فيهم الأدب الرفيع ، و الخلق السامي ، والأصالة الجزائرية لباسا و أناتا و عبارة .

أجد فيهم
-و هم الأمازيغ الأقحاح- غيرة على العروبة لا أجدها في موطن العرب الأصلي ، و أسمعهم يتحدثون بلغة يعرب فإذا هم في فصاحة اللسان أفصح من قحطان و قد زادهم حبهم لها عزا الى عزهم ، حتى قال قائل منهم ،هو المرحوم صالح خرفي :

                   و لكن حرف الضاد في لهواتنا     ***   يأبى لغير العز أن يتضرعا

أجد فيهم المساواة الاسلامية في أجلى صورها ،بحيث لا يميز المرء بين أكبر الأساتذة الاختصاصيين في شتى مجالات العلم و بين أبسط رجل منهم
 .

أرتاد مساجدهم فأجدها نظيفة ،
نقية ، خالية من الزخارف التي تلتهم الأموال و تشغل البال ، و أجدها عامرة بالشباب قبل الشياب، يعمها الهدوء فلا صخب و لا مكاء و تصدية ، و اذا تكلم الامام أو أي محاضر رأيت الآذان مرهفة ، و الأصوات خاشعة ، و الأعناق مشرئبة و القلوب واعية، و العقول يقظى.
 أتجول في شوارع مدنهم فلا أسمع كلاما بذيئا يخدش الحياء ،
و لا أغاني تافهة تجرح الكرامة ، و أمد عيني يمنة و يسرة فلا أرى كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت ، و لا أرى خمورا و لا فجورا و لا مخنثا ، و لا مسترجلة ،قد علم كل طبيعته و دوره .

أحضر مجالسهم فاذا علماؤهم في صدرها
، و أسمع المناقشات العلمية المفيدة ، و الحوارات الفكرية الثرية ، و المذاكرات الأدبية ، و الطرائف المليحة، يذوقون النكتة و يصنعونها ، تهزهم الكلمة الجميلة شعرا أو نثرا .

إن التكافل بينهم حقيقة و ليس شعارا ، إذ لم أجد ،على كثرة ترددي عليهم ، متسولا، فمحاوجهم يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، و لهم على المجتمع حق معلوم يأتيهم الى بيوتهم .

تحضر أعراسهم و أفراحهم فلا تشاهد عريا و
لا اختلاطا ، و لا رقصا ، و لا غناءا و إنما هي أناشيد تشدو بها بلابل ، تتغنى بالوطن المفدى ، و تحض على الأخلاق السامية ، و تمجد العفاف ،وتحبب إلى النفوس الجمال ،وتسبح من خلق الجمال .

أعلم أن هؤلاء القوم ليسوا ملائكة ،
فهم بشر مثلنا يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق و يقترفون الآثام ، و لكنهم لا يجاهرون بها ،فاذا استحوذ الشيطان على أحدهم و جد في وجهه نظاما اجتماعيا مستمدا من الاسلام ، فقوطع حتى يعترف بذنبه ،و يتعهد ألا يعود لمثله .

وددت لو أن قومي من تلمسان الى تبسة،
و من برج الكيفان الى برج باجي مختار على هذه الصورة الجميلة التي كانوا هم أيضا عليها .و لكن فرنسا الفاسدة أفسدتهم و أنجى الله الوادي المبارك من فسادها ليكون شاهدا على ما كنا جميعا عليه ،وليكون دليلنا في عودتنا الى ما كنا عليه ، و تحية طيبة مباركة الى إخواني في ميزاب الذين بادلوني حبا بحب.))


                
  ((السبت 21 جانفي 2003-23 ذو القعدة 1424هـ  -  العدد: 81  من جريدة البصائر))

 



 

الأستاذ سعد بوعقبة ، مقال في صحيفة الشروق اليومي تحت عنوان : ميزاب  الوادي المثل .

هل كان من الصدفة أن يكون  أحسن شاعر للثورة الجزائرية من ميزاب و هو المرحوم مفدي زكرياء؟
و هل كان صدفة أيضا أن يكون أرق شاعر يكتب كلمات ثورية  لوردة الجزائرية حول الثورة هو المرحوم صالح خرفي من وادي مزاب أيضا ؟

و هل هناك أجمل ما قيل في الثورة الجزائرية من " قسما بالنازلات الماحقات" التي يقردف لها الجميع؟
و هل هناك أجمل من قصيدة يا حبيبي ذكريات الأمس لم تبرح خيالي  أو قصيدة من بعيد أدعوك يا أملي ؟

إن المنطقة التي تنجب أمثال مفدي و خرفي لا شك أن السر فيها هو أنها لاتعيش أزمة هوية و لا أزمة تمزق حضاري أو اجتماعي أو حتى اقتصادي .

وادي ميزاب هو المنطقة الوحيدة في الجزائر التي يمكن أن تؤخذ كنموذج للتوازن الحضاري و السياسي ، فهي تعيش الانسجام التام مع الموروث التاريخي و تعيش التوازن نفسه مع الموروث الحضاري ، و تتعامل مع التفتح بما يليق بالتفتح و لذلك تنجب أمثال مفدي و خرفي .
و لو كان بعض الممسوخين يأخذون المثل من منطقة وادي ميزاب و ليس من باريس ، لو كان ذلك لوفروا عليهم و علينا مشاكل كثيرة نحن و هم في غنى عنها .

و لكن
:
"
ملأى السنابل تنحني برؤوسهن تواضعا   ***    و الفارغات رؤوسهن شوامخ "
 

 



 

 

الصفحة الرئيسية