|
الفرق بين
الإباضية والخوارج:
نورد لكم في هذا الموضوع
بحثا قيما للشيخ ابراهيم اطفيش ، تحت عنوان : نبذة عن الخوارج .
شرح لغوي :
أصحابنا : يقصد بها الشيخ : الإباضية .
قومنا : يقصد بها الشيخ الباحثين و كتاب المقالات الذين يتهمون
الإباضية بالخروج .
يقول الشيخ رحمه الله :
" الخوارج طوائف من الناس من زمن التابعين ، رؤوسهم نافع بن الأزرق ، و
نجدة بن عامر ، و عبد الله بن الصفار ، و من شايعهم .
و سُـمّوا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق ، و عن الأمة بالحكم على
مرتكب الذنب بالشرك . فاستحلوا ما حرم الله من الدماء و الأموال
بالمعصية ، متأولين قوله تعالى : " وَ إنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إنَّكُمْ
لَمُشْـِركُونَ "
( الأنعام : 121 )
، فزعموا أن معنى الآية و إن أطعتموهم في أكل الميتة ، فأخطأوا في
تأويلهم ، و الحق أن معنى الآية : و إن أطعتموهم في استحلال الميتة ، و
الإستحلال لما حرم الله شرك .
و حين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول ، بل
تجاوزوه إلى الفعل ، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك ، و استحلوا دماء
المسلمين و أموالهم بالمعصية ، فاستعرضوا النساء و الأطفال و الشيوخ .
و قد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي
صاحب " المسند الصحيح " رحمه الله ، حين بلغ إليه أمرهم يقول : " دعوهم
حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل ، فإن بقوا على قولهم فخطؤُه محمول عليهم
، و إن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله "
فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم و طاردوهم في كل صوب معلنين
البراءة منهم ، و لما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم ،
لأن الكفر باستحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي ، و قد استشرى
فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب
بغير ما أنزل الله ، فعظمت محنتهم ، فكانت بلاء عظيما .
و قد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني ، القائد الأموي
المشهور ، وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم
المزدوجة : محاربة المسلمين ، و انتشار الأحاديث الموضوعة في
قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة .
و لما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون
إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج ظلما و عدوانا ،
و السبب في ذلك عديد المناهج :
أولــــــــــــــــــــها :
أن أصحابنا الإباضية
يرون الملك العضوض لا تجب طاعته ، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج
الخلفاء الراشدين لما روي عن النبي ( ص ) : " اقتدوا باللذين من بعدي
أبي بكر و عمر " . و لِما رُوي في عمار بن ياسر ( ر ) : "ستقتلك
الفئة الباغية " ، و استشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ، و لم ينكره
الفريق الآخر ، و ثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان و لو اختُلف في تأويله،
إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح و إنما دعاه الغرض إلى حمله
على ما يقتضيه ذلك الهوى.
ثانيــــــــــــــــــــها :
ظهور أصحاب الأهواء في
واقعة النهروان ، إذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي و هو إمامهم ، و
الحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط ، و
لكنهم حين أبوا التحكيم و أصروا عليه جنح أبو الحسن ( علي ) إلى فريق
التحكيم ، فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تعد في أعناقهم ، بل هم في
حلّ منها حيث إن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم ، و إلا فلم
التحكيم ؟ فاعتبروا التحكيم تنازلا من الإمام أبي الحسن عن البيعة ،
إذن منكرو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون
إماما ، فاختاروا رجلا من أفضل الناس يومئذ و من الصحابة الكرام ، و هو
عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي ، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ
و منهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إماما ، فرأى علي
بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي ، فحاربهم قبل أن يتقوى
أمرُهم ، فتخرج الإمامة إلى غير قريش و هذا هو السبب
الوحيد لواقعة النهروان . لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم
معاوية و من معه ، و لكن الأمر قد فات ، فقد أخذ الأمرَ معاوية من
الحكمين : عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري في دومة الجندل ، فأصبح
المسلمون في حل من أمرهم ، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد
حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولو البصائر من منكري التحكيم ، و هو
أن التحكيم تلاعب بالأمر تولّى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي
دُسّ على أصحاب علي من قبل معاوية ، و ليس إذا مايزعمه محرفو التاريخ و
متعفنة المذهبية ، أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على علي ، لأنهم
لم يخرجوا و البيعة في أعناقهم ، و لينتبه المتبصر من الزلة في هذا
المقام ، فإن الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه .
ثالثــــــــــــــــها
:
إن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر ، و إنما هي انتشرت بعد
استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ، و لم تُعرف هذه التسمية في أصحاب علي
المنكرين للتحكيم أو الراضين به .
و لعل أول ما ظهر هذا اللفظ ، بعد ثبوت الأمر لمعاوية ، و الإستقرار
فيه ، حين زاره الأحنف بن قيس التميمي - و هو من أهل النهروان - فقال
له معاوية : لماذا أحبك الناس و أنت من الخوارج ؟ فقال له الأحنف : لو
عاب الناس الماء ما شربته ، يعني الذين لم يرتضوا بيعته و الدخول في
أمره .
أتُرى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان مع من حاربهم
علي يوم النهروان ، أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية ؟ و لو كان
وصف معاوية للأحنف بالخارجية بكنوه من أهل النهروان لكان معاوية و من
معه أولى بهذه التسمية ، لأنه هو الذي سل السيف ضد علي و من معه يوم
صفين ، و لأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي ، و الحال قد بايعه أهل
الحل و العقد فأصبحتع بيعته حقا يجب اتباعه و الدخول فيه على كل واحد
من المسلمين .
الرابعـــــــــــــــــــــة :
أن الإباضية لم يسلوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط ، و لم تقع منهم
حرب ضد أحد من المسلمين ، و حتى عند اشتداد الأزمة زمن الحجاج بن يوسف
الثقفي و زياد بن اُبَــيـْه ، فقد اشتدّا في مطاردة المسلمين لمجرد
الظنة ، حتى خرج عليهما التوابون ، و على رأسهم سعيد بن جبير و ابراهيم
النخعي - وهما إمامان - و قد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير
. و العجب كمل العجب أن هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا
السلاح أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج ، لم يُـطلق عليهم أحد
اسم الخوارج ، بل أطلق عليهم اسم التوابين ، و هم كلهم من حملة لواء
العلم ، و ماتوا جميعا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو : سعيد بن
جبير ، و إبراهيم النخعي ، و عبد الله بن مطرف ، لإإن العقل يقف مشدوها
أمام هذه الفاجعة الكبرى و مع ذلك تمر على القراء بسلام .
و لكن الذي يمحّص التاريخ بإنصاف و علم ، يرى في إطلاق لفظ الخوارج على
الإباضية - و هم من الخوارج بُـرآء - مَـغمَـزًا ، و هو أنهم رأو
الإمامة لا تختص بقرشي ، بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة
دولتهم و رئاستها ، و هذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة ، إذ ليس
من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه و اممه تابعا لقبيلة
واحدة ، وسواء أ أحسنت أم أساءت .
و الوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ماذهب إليه أصحابنا و حملوا عليه
الحديث : " الأئمة من قريش " ، و من المكابرة و مجانبة الحق أن يزعم
الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش ، و لم يرتضه الأنصار و هم أهل
الفهم لما بعث به محمد صلوات الله و سلامه عليه حين قالوا لأبي بكر : "
منا أمير و منكم أمير " ، و لا أبو بكر حين رد على الأنصار بقوله : "
منا الأمراء و منكم الوزراء ، إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي "
يعني قريشا ، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما
يزعم أهل الأهواء السياسية و المذهبية .
أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي
؟ كلا و الله .
خامســـــــــــا :
إن الإباضية يبتغون العدل و ينشُدون العمل بالكتاب و السنة ، و السير
على منهاج الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون ، و سواء أقام
بالأمر قرشي أم حبشي ، عربي أم أعجمي ، كما ورد في أحاديث صحاح ، لهذا
ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز ، حين أرسلوا إليه وفدا من البصرة يتألف
من ستة علماء جهابذة : جعفر بن السماك العبدي ، و أبي الحر عليالحصين
العنبري ، و الحباب بن الكاتب ، و الحباب بن كليب ، و أبي سفيان قنبر
البصري ، و سالم بن ذكوان ، و ربما كانوا أكثر من هؤلاء ، إلا أن الذين
وقفت على أسمائهم هم هؤلاء رحمهم الله جميعا ، حيث ذكر مؤرخو قومنا
وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز ، قالوا كعادتهم في الغمز : " أرسل
إليه الخوارج وفدا " ، و لم يذكروا ما جرى بينهم و بين الخليفة
عمر من الحديث ، و قبولَه منهم كل ما أرادوه في نشر العدل ، و تطهير
البلاد و المنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون سنة ، فإن الوفد قال له
: إن المسلمين يلعنون عليًّـا على المنابر فلا بد من الشروع في تغيير
المنكر ، فأبدل اللعن بقوله تعالى :"إن اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ و
الإحْسَان و إيتَاء ذِي القُرْبَى وَ يَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَ
المُنْكَر و البَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّــرُونَ"(النحل
:90)
لم تسمح
نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب
التي ظهرت في الإباضية ، من نشدان الحق و الوقوف في وجه الظَّلَمَة
بالمساجلة ، كما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان ،
و أبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن اُبَـيْـه ، و لم يسلّوا السيف
كما فعل الخوارج ، بل سلكوا سبيل البيان ، معرضين عن السنان ، و لم يكن
منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان ، أو حمل الناس على
اعتناق مذهبهم بالسيف و قطع العذر ، بل تركوا الناس أحرارا في آرائهم ،
و أعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلّها ، بل تركوا لأرباب
المذاهب مذهبهم في حرية تامة ، لأنه " لا إكْرَاهَ في الـدِّيـنِ "
( البقرة : 256 )
، فالحق مقبول من أيٍّ كان ، و الباطل مردود على صاحبه
محمول عليه ، فأهل القبلة عندهم كافة سواسية في الحق و الحرية في
الإعراب عن آرائهم الفرعية ، و الحرية مكفولة لكل الناس بعد الإعتراف
لله بالوحدانية ، و الحرية هي الأصل في الإنسان ، حتى إن المُكاتب
عندهم حرّ من أول يوم ، و ما كاتب به فدين عليه يؤديه ، و لم يقل بهذا
غير الإباضية ، لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم ، فبان عنهم
الخوارج بما ذكرنا من شنائعهم و كبائرهم ، و لم تكن لهم صلة بالإباضية
حتى يقال إنهم خوارج ، و قد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا
الحق و اعترفوا به ، و الرجوع للحق فريضة و فضيلة .
سادسهــــــــــــا :
الإباضية يجيزون المناكحة بينهم و بين سائر الموحدين ، و الخوارجُ لا
يُجيزون التناكح مع غيرهم ، لأنهم يرون سواهم مشركين - كما
بيّـنّا و أوضحنا - و على هذا لا يجوِّزون التوارث بينهم و بين من
يخالفهم بطبيعة الحال ، لأن الشرك - الذي منع ا لمناكحة و
المصاهرة - يمنع الموارثة ، فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت
نفوسهم و أصيبت أبصارهم بالعشى ؟ ذلك ما يشاهده الذي يقلّب أطوار
التاريخ في مدوَّنـات قومنا ، و لم يعتبروا قوله سبحانه : " و
الَّذِينَ يُوذُونَ المُومِـنِينَ و المُـومِنَاتِ بـغَيرِ مَا
اكْتَسَبُوا فَقَد احْتَمَلُوا بُهْتَانًَا و إثْمًـا مُبِينًا "
(الأحزاب : 58) ، و قوله تعالى :
" وَلاَ يَجْرِمَنَّكُـمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُـوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتَّقْوَى "
( المائدة:8)
إن المسلم ليَحار منأمر أولئك
المتقولين على أهل الحق و الإستقامة ، كيف استساغوا ذلك لأنفسهم ؟ لا
لشيء إلا للهوى و الشهوة الخفية ، نعوذ بالله من الهوى و إنكار الحق .
أَوَلا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك ؟ أم اعتقاد الخروج من
النار هَــوَّن كل شيء في سبيل الهوى ؟
سابعهـــــــــــــا :
الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علما و
عملا منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين ، فكانوا أول من دون الحديث
، فإمامنا جابر بن زيد أول من دوّن الحديث و أقوال الصحابة في
ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير ، ثم تلاميذه من بعده و هم حملة العلم
إلى المشرق و المغرب ، و الخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء ، و إخافة
السبل ، و تعطيل الأحكام ، و لم يُذكر عن أحد من الخوارج أنه ألف كتابا
، و الذين يذكرون المؤلفات للخوارج ، إنما يذكرون مؤلفات الإباضية ، و
هم دون شك يريدون بهم التشنيع و التشغيب ، أما الصفرية و الأزارقة و
النجدية ، فلم تُذكر لهم رواية و لا تدوين ، و لو انفرد نجدة برواية
حديث ، و نافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابنَ عبّاس ليس هذا محلَّها ، و
أريد أنهم جنحوا غلى الحرب لا إلى التأليف و رواية العلم ، و كل من
ذكره قومنا من رجال العلم و نسبوهم إلى الخوارج فليسوا إلا من الإباضية
.
و لقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب ، و عُرفوا
بالصدق و الأمانة و الورع ما لم يبلغ شأوَه غيرُهم ، فلجأ بعض الكاتبين
من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة و البهتان ، حين بهرتهم
تلك الأنوار الساطعة ، و ما خلطوا بين الإباضية و الخوارج إلا لطمس
معالم الحق و الصواب ، حسدًا من عند أنفسهم ، و أنَّـى لمن اتخذ
التشغيب مطيّة أن يعترف بالحق و الصواب و قد عميت بصيرته ، و إنك
لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني
، و العظمة العلمية ما جعلهم لا يذكرون لهم في موجب الذكر شيئا .
و إنني رأيت مؤلفات دُوِّنت في التاريخ و الأدب و الفروع لبعض قومنا
يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دُوِّن من الضلع ، فلا يتورّع
أن يتجاهل ذكرهم حتى كأنهم لم يكونوا ، و ذلك مبالغةً و إمعانًا في طمس
الحق ، و لا تجد من أصحابنا شيئًا من هذا الأسلوب البشع ، و الحمد لله
العلي الكبيــر .
ثامنـــــــــــــــــــــــــها :
إن قومناحين جمعوا الحوادث التاريخية و
اقتضت الحال أن يذكروا أصحابنا فشلوا في قول الصواب ، فخلطوا بين
الإباضية و الخوارج ، فتارة ينسبون الإباضية إلى الخوارج ، و تارة
ينسبون الخوارج إلى الإباضية ، كما يفعل الكثير من المدونين في
الأصول و الفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية و العكس ، ممّا
أوجب التخليط أو التشويه ، فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى
ما هو أشبه بالتهريج ، و لا عذر لهم عندي مطلقا ، لأن الذي ينشُد الحق
يطلبه من ينبوعه ، لا أن ينتحله حسب هواه .
إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن حدير من الخوارج ، و قطري بن
الفجاءة من الإباضية ، و الأمر على عكس ذلك ، و آخر يذكر أن الإمام
طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي هو الإمام عبد الله بن إباض ،
و الحق خلاف ذلك ، إذ أن الإمام عبد الله بن إباض توفي آخر أيام عبد
الملك بن مروان ، و عبد الله بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار
سنة 130ه.
و هكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويها و تشغيبا ، و
انظر إلى تاريخ الأندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم ، و لا نجد
للإباضية ذكرا ، و الحال أن الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغًا عظيمًا
من العلم و المال ، حتى إن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها
إباضية إلى القرن السادس ، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى ، و إنك لتقرأ
طبقات بن سعد مثلا فلا تجد ذكرا لرجال الإباضية غير جابر بن زيد ، فإنه
ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق ، و هكذا .
و الحق الذي لا ريب فيه أن رجال كل قوم قوهم اولى بهم ، و التاريخ أهله
أولى و أعرف به من سواهم ، " و اللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَ هُوَ
يَهْدي السَّبِيلَ " ( الأحزاب
:04) .
و لقد استوجبت بدعة الخوارج
أحكاما شرعية ، قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر حتى لا يقع الإنسان
في جريمة الخوارج ، فالكبائر قسمان :
كبائر الشرك ، و هي كل كبيرة أخلّت بالإعتقاد ، كاستحلال ما حرم الله
أو تحريم ما أحل الله ، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة ، أو جحود
حكم قطعي كالرجم إلى أمثالها .
و كبائر النفاق ، و هي كبائر الكفر بنعمة الله ، و هي ما يُطلَق
عليه عند أهل الحديث " كفر دون الكفر " ، و هي كبائر الفسق عند قومنا ،
و ذلك كارتكاب فاحشة الزنا ، أو الإتيان في الأعجاز ، أو أكل الحرام ،
أو شهادة الزور ، أو عقوق الوالدين ، أو ما اشبه ذلك من كبائر عملية ،
وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحِلّ ، كل ذلك يسمى عند أصحابنا
كبائر النفاق ، وكبائر الكفر بالنعمة .
و إذا أطلق أصحابنا الكفرَ انصرف بالقرينة إلى الحكم فيه ، هل هو ممّا
يُخلّ بالعقيدة أم هو من الفعل أو الترك ؟ فيدرك نوع الكفر أهو كفر
نفاق أم كفر شرك ؟
على أن اصحابنا لا يكفّرون تشهيًا ، و لا يكفرون أهل القبلة ما داموا
بكلمة الإخلاص ، و الحق أنهم انفردوا بذلك و لو ادّعاها أرباب المذاهب
.
و إذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية و الخوارج بونًا بعيدا ، لا يجمع
بينهما جامع إلا إنكار التحكيم ، و هو الحق الذي لا مرية فيه و الذي
يؤيده كتاب الله و سنة رسول الله (ص) ، و سيرة العُمَرين ، و إجماع
المسلمين ، فشدّ يدك على الحق .
" وَ مَن يَعْتَصِم بِالله فَقَد هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيمٍ "
( آل عمران : 101 )
و قد قال بعض أصحابنا ، و به قال قومنا : إن الخوارج ينكرون الرجم ، و
الذي عندي أن هذا القول غير صحيح ، إلا إذا نظرنا إلى حكمهم بأن مرتكب
الكبيرة مشرك حلال الدم ، فإن الزاني يُقتَل عندهم رِدّة لا حدًّا ، و
هذا متفرع عن حكمهم قطعًا لا يحتاج إلى دعوى نُكران الرجم ، و
لكن الأمر عندي ليس كما يُتوَهَّم ، و إنما زعم من زعم من قومنا أن
الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمَز ، لكنه يعود على الزاعمين بطامَّة ، و
ذلك أن قومنا روَوا أنه كان مما يُتلى في كتاب الله : " و الشيخ و
الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله و الله عزيز حكيم "
قأكلته العنزة ، و هذه الطامة تلازمهم و إن فروا منها بزعم أنه مما
نُسخ لفظه و بقي حكمه ، و لكن أصحابنا يقولون أن الرجم فرض لا من
القرآن و لكن من الحديث ، فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحه
عن الإمام جابر بن زيد : " الإستنجاء و الإختتان و الوتر و الرجم سنن
واجبة " .
فصان الله الأصحاب من الخطل ، و الحمد لله و صلى الله على سيدنا محمد و
آله و صحبه .
أبو اسحاق ابـــــــــــــــــراهيم اطْفيّـــــــــــشْ .
|