|
علماء
الإباضية الأولون:
|
5- الإمام أبو بلال مرداس بن حدير
|
هو مرداس بن حدير ويكنى بأبي بلال . ينتمي إلى قبيلة بني تميم التي كان
يتزعمها الأحنف بن قيس ، وقد شهد معركة صفين مع الإمام علي هو وأخوه عروة
وفارقه مع أهل النهروان بعد التحكيم و كان من العدد القليل الذين نجوا من
القتل في معركة النهروان .
قال عنه ابن الأثير:
" كان مرداس عابدا مجتهدا
عظيم القدر وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا
من قاتلنا "
ويظهر أنه لم يكن مرتاحا لما حدث من خلاف وفتنة بين المسلمين وصعق لِما حل
بأصحابه من قتل وتشريد على أيدي إخوانه المسلمين و رأى أن القتال بين أتباع
العقيدة الإسلامية أمر لا يصح , فانسحب مع نفر من أصحابه وأقام بالبصرة تحت
حماية الأحنف بن قيس الذي كان يمتاز بحكمته وسداد رأيه ، وفي ظل هذه الحماية
أخذ أبو بلال ينشر آراءه وأفكاره مؤثرا طريق النقاش والإقناع بدلا من طريق
الحرب الذي سلكه الخوارج ، فدعا أتباعه ألا يجردوا سلاحا ولا يقاتلوا أحدا
إلا إذا تعرضوا للعدوان فأنكر قتل المخالفين واستعراض الناس على طريقة
متطرفي الخوارج .
وكان مما ساعده في نشر أفكاره هو تسامح زياد ابن أبيه والي
العراق في ذلك الحين معه و مع جماعته لأنهم لم يحاربوه كما فعل الخوارج .
و قد
أنكر الخوارج قعود أبي بلال وجماعته عن الثورة ضد ولاة الأمويين فلقبوهم -
احتقارا - بالقعدة ، أما أهل البصرة فكانوا يسمونهم الحرورية
و قد نشط أبو بلال في البصرة لنشر دعوته وأفكاره وكان يعقد المجالس
والمناظرات لإقناع الناس بآرائه ، فانضم إليه عدد كبير من الناس و ازداد
عددهم حتى بنوا مسجدا خاصا لهم بالبصرة ، وبلغ من حسن سيرته أن جميع الفِرق التي خرجت على الدولة الأموية تولته بما فيهم الأزارقة والنجدات والشيعة ،
ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الفِرق جميعا كانت هي التي تسمى بالمحكمة قبل أن
تنقسم .
كان أبو بلال ملازما لجابر بن زيد يأخذ من علمه ويستشيره في أموره ولا
يقطع شيئا دونه حتى قيل أنه ما كان يصبر على فراقه فقد كان من تشوقه إليه
أنه يخرج من عند جابر بعد العشاء و يأتيه قبل صلاة الصبح فيقول له جابر لقد
شَقَقْتَ على نفسك فيرد عليه أبو بلال : والله لقد طال ما همت نفسي بلقاك
شوقا إليك حتى أتيتك ، و هذا يبين مدى الصلة الفكرية والروحية التي كانت تربط
أبي بلال بالإمام جابر و يذكر مؤرخو الإباضية أن أبا بلال كان لا يبرم أمرا
إلا بمشورة الإمام جابر .
وعندما تولى عبيد الله بن زياد إمارة العراق سنة 55 للهجرة اتبع سياسة
جديدة مختلفة عن سياسة والده تجاه الإباضية فاشتد في طلبهم واستعمل
القسوة مع كل المعارضين سواء كانوا من االإباضية أو من الخوارج و رفض الشفاعة
في أي واحد منهم ، ورغم كل هذا كان أبو بلال يقول كلمة الحق ولم يخش في الله
لومة لائم .
كان من نتيجة الاضطهاد الذي مارسه عبيد الله بن زياد ضد المسلمين أثره
الكبير في نفس أبي بلال فقرر أن يترك البصرة إلى مكان آخر أملا أن يأمن شر
ابن زياد و أن يدعو إلى فكره في مكان آخر فقال لأصحابه : " إنه والله ما يسعنا
المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم ، و الله إن الصبر على هذا
لعظيم ، وإن تجريد السيف و إخافة السبيل لعظيم و لكننا ننتبذ عنهم و لا نجرد
سيفا و لا نقاتل إلا من قاتلنا " . فخرج من البصرة .
كان لمقتل أبي بلال صدى عميق في نفوس أصحابه وآثار نقمة شديدة ضد ابن زياد
فقد كان بسلوكه وعمله واستشهاده المثل الأعلى لأتباعه فرثاه كثير من
الشعراء منهم .
بعد استشهاد أبي بلال تزعم عمران بن حطان الإباضية و كان محدثا وعالما وفقيها
وشاعرا . فسار على منواله في نشر دعوته وكان مثله في إنكار الاستعراض وتحريم
أموال المسلمين ودمائهم . و في هذه الفترة احتل عبد الله بن الزبير البصرة ،
وشعر عمران وأتباعه بنوع من الأمن تحت حكم ابن الزبير فاتجه مع أتباعه
للدراسة والتعمق في الدين والدعوة في هدوء وسكينة ، و استمر ذلك حتى عاد العراق من جديد إلى حكم الأمويين و تولىّ الحجاج بن يوسف ولاية العراق ، فاشتكى الحجاج إلى عبد الملك بن مروان من نشاط عمران وجماعته واستأذنه
في التصرف تجاه عمران وأصحابه بحجة أن عمران قد أفسد عليه أهل العراق ، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من التضييق على الإباضية ، فقام الحجاج بحبس عمران ثم أطلقه في محاولة لكسب الإباضية والتفرغ لمحاربة الخوارج من الأزارقة والنجدية ، و بعد خروج عمران بن حطان من سجن الحجاج حدث نقاش حاد بين شيوخ الإباضية فكان فريق منهم يرى الثورة على الحكم الأموي وفريق آخر يرى الاستمرار في
الدعوة بالطرق السلمية وانتهى الجدال والنقاش أن انقسموا إلى فرقتين : الصفرية وهم أتباع عبد الله بن الصفار وكانت ترى الخروج
والثورة ولكنها لم تكفر من قعد كما فعل الأزارقة ، والإباضية و هي التي فضلت الاستمرار في القعود والتربية والدعوة إلى أن يأذن ال له. أما عمران فيبدو أنه قد استاء من النتيجة التي انتهى إليها الجدل بين
جماعته وقرر ترك البصرة ، وأخذ يتنقل بين أحياء العرب حتى استقر أخيرا في عمان حيث بقي هناك حتى
مات رحمه الله .
|