|
علماء
الإباضية الأولون:
|
2-الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي
كريمة |
يعتبر أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الإمام الثاني للإباضية
، وقد أصبح
مرجع الإباضية دون خلاف بعد جابر بن زيد
. ولد في حوالي 45 هجرية. كان
مولى لعروة بن أدية التميمي (أخ أبي بلال)
. ويكنى
أبا
عبيدة بابنته
عبيدة التي أخذت العلم عن والدها فرُويت عنها آثار في كتب الفقه
الإباضي فيما يتعلق بأخبار النساء
، أما والد أبي عبيدة وهو أبو كريمة
فقد كان معاصرا للإمام جابر بن زيد
.
عاش أبو عبيدة في البصرة واشتهر
بالتقوى والزهد والورع وكان له جهد كبير في تنظيم الدعوة والدعاة كما
كان له الفضل في انتشار الإباضية في مختلف الأمصار
، وهو أشهر علماء
الإباضية في تلك المرحلة من مراحل تاريخ الإباضية والتي كانت تعرف
بالكتمان
.
يصفه البدر الشماخي في كتاب السير فيقول عنه :
"
تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه
بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه وقد
اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو
عليه من الاتساع
"
.
1- شيوخه :
درس أبو عبيدة على يد جابر
بن زيد و صحار العبدي و جعفر بن السماك
،كما أدرك كثيرا من الصحابة وأخذ
عنهم ، و يعتبر الإمام أبو عبيدة من التابعين حسب اصطلاح الباحثين في علم
الحديث لأنه أدرك كثيرا من الصحابة ممن أخذ عنهم جابر بن زيد
، و منهم :
أبو سعيد الخدري (توفي 74 هـ) ، و أنس بن مالك (ت 93 هـ) ، والبراء بن عازب
(ت 72هـ) ، وجابر بن سمرة (ت 74هـ) ، وجابر بن عبد الله (ت 78هـ) ، ورافع
بن خديج (ت 74هـ) ، وسهل بن سعد (ت91هـ) ، وعبد الله بن عباس (ت 68هـ) ،
وعبد الله بن عمر (ت 74هـ) وغيرهم .
روي أنه أدرك من أدركه الإمام جابر
من الصحابة وقد رويت عنه أحاديث في المسند عن جماعة من الصحابة
.
2- تلاميذه:
تولى التدريس بعد الإمام
جابر، مدة أربعين سنة فأخذ عنه العلم خلق كثير ، رغم ما ابتليَ به من
مضايقة
و تشديد من السلطة . فقد سُجن مع زميله ضمام بن السائب وبقي في السجن إلى
أن مات الحجاج سنة 95 هـ .
و قد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم بالتعليم
مستترا ، وأن يخفي مدرسته عن الأنظار .
و قد اشتهر بلقب القفاف ، لأنه كان
يشتغل بصنع القفاف ، وهي حرفة شريفة ، كان يرتزق منها هو وتلاميذه رزقا
شريفا حلالا،
و بعد خروجه من السجن اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل ووضع
على مدخله سلاسل من الحديد، فإذا سمع صلصلتها هو وطلابه علموا أن غريبا
يريد الدخول، فأوقفوا الدرس، واشتغلوا بصنع القفاف، فلا يشتبه الزائر
في أمرهم، فإذا غادرهم وأمنوا من عيون الظلمة، رجعوا إلى ما كانوا
عليه
. ورغم هذه الظروف الصعبة, فقد تخرج من هذا السرداب عدد كبير من الطلبة
حملوا العلم والهداية إلى مختلف البلدان
.
3- أخلاقه :
كان أبو عبيدة شديد الاحتياط في الدين
وخصوصا فيما يتعلق بالطهارة و
العبادات ، وكان يشدد على نفسه كثيرا فلما سمع حيان الأعرج
و
هو أحد معاصريه بإحدى فتاويه المتشددة فقال : لقد أشقانا الله في ديننا
لو كان الأمر كما يقول أبو عبيدة
. ولعل علماء الإباضية الأوائل بنوا قواعد المذهب على مبدأ الاحتياط
الذي ألزم به أبو عبيدة نفسه
.
4- دور الإمام أبي عبيدة السياسي والدعوي :
لعبت
البصرة في القرنين الأول والثاني للهجرة دورا مهما في الإسلام
، فكانت
مركزا علميا بارزا
، وملتقى للثقافة والمعرفة، وعاصمة لنشأة مختلف
العلوم الإنسانية. وقد بلغت الحركة الإباضية في عهده مبلغا عظيما من
الانتشار ودقة التنظيم
.
يقول الدكتور عوض خليفات في كتاب " نشأة الحركة الإباضية
" وهو يتحدث
عن أبي عبيدة
:" كان أبو عبيدة عالما فذا من علماء الإباضية الأوائل
وفقهائهم البارزين كما كان يتمتع بقدرة سياسية بارعة وأفق واسع مما
ساعده على تنظيم الدعوة الإباضية في مرحلتها السرية بشكل دقيق وذكي
.
ولا غرو بالتالي أن يعزو المؤرخون
إليه الفضل الأكبر في نمو حركتهم
وانتشارها في أقطار إسلامية كثيرة خارج البصرة ".
وقد بدأ أبوعبيدة زعامة أهل الدعوة بعد موت الحجاج عام 95 هجرية واتفق
ذلك مع بداية حكم سليمان بن عبد الملك الذي كان على علاقة وثيقة مع
المهالبة زعماء الأزد الذين انضموا الى الاباضية بأعداد وفيرة
.
وخلال هذه الفترة التى امتدت إلى نهاية خلافة عمر بن عبد العزيز
تميزت العلاقة بين الإباضية و
الأمويين بنوع من الهدوء استغل أبو
عبيدة ومشائخ الإباضية هذه الفرصة لتنظيم أمورهم وتربية أتباعه فكانت
له مجموعة من المجالس يرتادها أتباعه منها مجالس عامة لكافة المسلمين
ومجالس
خاصة
بالمشائخ ومجالس
خاصة
لحملة العلم وهذه المجالس
الأخيرة خاصة بإعداد
الدعاة
و إرسالهم الى مختلف الأمصار
.
5- وفاته:
توفي الإمام أبو عبيدة سنة
150 هـ في عهد أبي جعفر المنصور، وتولى الربيع ابن حبيب إمامة الإباضية
من بعده في البصرة
. يروى أن أبا جعفر المنصور قال عندما سمع بموت أبي
عبيدة
: ذهبت الإباضية .
وقد عمّر أبو عبيدة عمرا طويلا حتى رأى آثار
جهده وتربيته الذي نتج عنه إمامتين واحدة بالمشرق وأخرى بالمغرب
.
|