|
((
بسم الله الرحمن الرحيم
، ألم
))
((
ألم
))
بهذه الحروف المقطعة بدئت هذه السورة
الكريمة ، و قد تقدم الحديث مرارا عديدة عن مثلها في السور السابقة
المبدوءة بها و للعلماء كلام طويل فيها ، في عددها و أنواعها ، و نسبة
بعضها إلى بعض ، كما كان لهم كلام كثير في معانيها ، أهي أسماء للسور
أم هي شيء آخر ?
أما بعض العلماء فيتوقفون و يقولون : الله أعلم بمراده بذلك ، و
بقدر ما يعجبنا قول من أقوال العلماء في مراد الله تعالى بهذه الأحرف
إلا أنه يجب أن نقول في آخر الأمر : الله أعلم بمراده بذلك ، لأنه ليس
لدينا شيء يقيني عن النبي المعصوم صلى الله عليه و سلم يبين لنا المراد
المحدد من هذه الحروف ، و لماذا بدئت به به بعض السور دون أخرى.
فالبحث عن العلل و الحكم ليس محظورا ، بل
للعلماء أن يبحثوا و يقولوا اعتمادا على بعض الأشياء : لعل المراد هو
هذا أو ذاك ، أما أن يجزم أحدهم فيقول : إن مراد الله هو هذا ، فهذا
الذي لا يجوز ، لأنه مما استأثر الله بعلمه .
و أول من سن لنا هذا
التفويض لله هم الصحابة رضي الله عنهم ،و لذلك لم يصح عنهم أنهم سألوا
النبيء صلى الله عليه و سلم عن معنى هذه الحروف ، أو عن الحكمة فيها ،
لأنهم كانوا لقوة إيمانهم يتنزهون عن هذا ، و يقولون :
((
ءامنا به كل من عند ربنا
))
، ما فهمناه فذاك ، و ما لم نفهمه نقرؤه كما أنزل ، و نفوض الأمر فيه
إلى الله تعالى ، خاصة إذا لم يتعلق به حكم من أحكام العبادات و
المعاملات ، أو الأحكام المتعلقة بالأقضية والحدود .
فما كان إذن من هذا
النوع من الآيات التي لم يتضح معناها علينا أن نفوض فيها الأمر لله
تعالى ، و هو الذي قال لنا في كتابه :
((
هو الذي أنزل عليك
الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات
))
، و الآيات المحكمات هي الآيات الصريحة اللفظ ، الواضحة المعنى ، و هي
التي تتعلق بالعبادات و الأحكام ، و الأوامر و النواهي ، و الواجبات و
المحرمات ، مما كلفنا الله تعالى به و أوجب علينا عمله و العمل به ،
فمثل هذا لابد أن يكون محكما ظاهرا واضحا ، إلا إن أراد أحد أن يعبث
بكلام الله .
و في القرآن آيات متشابهات مما يخفى
معناها ، لا يعلمها إلا الله .
و الراسخون في العلم عند من يعطفون
((
الراسخون في العلم
))
على لفظ الجلالة
((
الله))
على أن كثيرا من العلماء
يقفون عند لفظ الجلالة
((الله))
فيقرؤون :
((
و ما يعلم تاويله إلا الله
))
، ثم يواصلون :
((
و الراسخون في العلم
يقولون ءامنا به كل من عند ربنا
))
.
ومن جملة هذا المتشابه : أوائل السور
المبدوءة بالحروف المقطعة ، مثل :
((
ألم
))
،
((
ألر
)) ،
((
طسم ))
،
((
طس
))
،
((
يس ))
،
((
ص
))
،
((
ق
))
،
((
ن ))
، فهذا من المتشابه التي
يمكن فيها البحث لأحد ، و لكن لا يعتقد أن ما أوصله إليه بحثه هو الحق
و هو مراد الله تعالى .
و مما قيل في هذه
الحروف و اشتهر في هذه العهود : أن الله تعالى يريد أن يبين للناس أن
هذا الكتاب إنما نزل بلغة العرب هذه اللغة التي اختارها لتكون لغة
كتابه ، و كتابه هو كلامه ، صاغه و ركبه من نفس الحروف التي ينطق بها
العرب و يتكلمون ، لم يأت بلغة غير اللغة التي يتخاطبون بها ، و لم يأت
بأحرف غير الأحرف التي يستعملون ، و هذا أدخل في باب الإعجاز .
فهو لم يأت بلغة أجنبية ، كأنها لغة طيور
، أو لغة ملائكة أو الجن ، أو لغة قوم لا يعرفونها ، فلو جاء القرآن
بلغة لا يعرفها الناس ، أو كانت الحروف التي ركب بها غير التي ينطق بها
الناس ، لكان له شأن غير هذا الشأن . و لتكون
المعجزة أقوى و أظهر يجب أن يكون الكلام هو الكلام ، و اللغة هي اللغة
، و الألفاظ هي التي يستعملها العرب الذين جاء القرآن بلغتهم ، سواء في
حديثهم العامي الذي يتخاطب به الناس في طرقاتهم ، أو الكلام الذي
يحتفون به ، و الذي لا يصدر إلا من الحكماء و العقلاء ، و الذين لهم
القدرة على تصريفه و تنويعه . و للعرب خطباء مصاقع ، وكذلك هو نفس
الكلمات التي يستعملها الشعراء البلغاء ، و ما أكثرهم عند العرب ، و
الزمان زمان فصاحة و بلاغة منذ عشرات السنين .
فالقرآن إذن نزل بهذه الحروف و هذه
الكلمات ، و لكنه جاء على نمط لا يستطيعه البشر ، حتى إنهم عجزوا أن
يأتوا بمثله في جملته ، أو بمثل أقصر سورة منه ، وهذا يظهر الإعجاز ،
إذ لو جاء بلغة أخرى ، بحروف غير التي ينطقون بها لما كان للإعجاز وجه.
ففي هذه الحروف إذن فيما ذهب إليه البعض
إشارة إلى هذا المعنى ، فكأن الله تعالى يقول : هذا كلام جاء بلغتكم ،
مؤلف من جنس الحروف التي تنطقون بها أو تكتبون ، لكنني أتحداكم أن
تأتوا بمثله و فيكم بلغاء ، شعراء فحول ، و خطباء مصاقع .
هذا وجه مقبول ، و لكن ليس الواجب أن يكون
الوحيد ، و لعل مراد الله تعالى وجوه أخرى مما قاله هؤلاء و أولئك ، و
النكت لا تتزاحم ، و المعاني لا تتعارض إذا أمكن للفظ أن يتحملها .
|