. تفسير الشيخ بيوض للقرآن الكريم .


 

بدأ الشيخ تفسير القرآن الكريم على شكل دروس بالمسجد الكبير  بتيـﭭـرار ( القرارة ) عام : 1934 م ، و ختمه بحفل بهيج يوم : 25 ربيع الثاني 1400 هـ ، الموافق لـ 12 فيفري 1980 م .
كان الشيخ بيوض رحمه الله تعالى يلقي دروس التفسير على الحاضرين في المسجد ، من أساتذة ، و طلبة ، و عامة ، رجالا ، و نساءا ، بمستويات مختلفة و متفاوتة في الإدراك ، مستعملا في تفسيره اللغة المزابية ، و اللغة العربية الفصحى ، حتى يتمكن كل حاضر من الاستفادة ، كل حسب مستوى فهمه و إدراكه . و كانت هذه الدروس تسجل في الأشرطة المغناطيسية ، و قد بدأ هذا التسجيل من منتصف سورة الإسراء ( لأن الكهرباء لم تدخل إلى تيـﭭـرار إلا سنة 1958 م ) ، فبلغ عدد دروس سورة لقمان مثلا لوحدها 38 درسا .
ثم استنسخت هذه الدروس من الأشرطة ، مع الترجمة إلى العربية الفصحى في مجلدات كبيرة الحجم ، فشغلت سورة لقمان كمثال مجلدين الأول في 229 صفحة و الثاني في 146 صفحة ، فكان المجموع 375 صفحة.
ثم تلت عملية الاستنساخ مرحلة الفرز و التصفية و حذف المكرر ، و إعادة الربط و التركيب ، و البناء للكلام المرتجل بلغات مختلفة إلى صيغ من الكلام المكتوب باللغة العربية ، و فق ضوابط و قواعد الأسلوب العربي الميسر قراءته ، و المتناول فهمه ، لكل قارئ يريد الاستفادة من كلام رب العالمين .
ثم جاءت مرحلة التخريج و التعليق و الترجمة ، ثم مرحلة التصحيح ، ثم الفهرسة ، حتى برز هذا التفسير بحمد الله و عونه بعد هذه الأطوار كلها في ثوبه القشيب كتبا قيمة ، تكفلت جمعية التراث المباركة بطباعته و نشره  .
و يرجع الفضل الكبير في جمع و تحرير و إخراج هذا العمل المبارك إلى الأستاذ عيسى محمد الشيخ بلحاج ، الذي بذل الكثير من الجهود الطيبة ، من أجل أن يكتمل ظهور هذا التفسير المبارك ليكون في متناول أيدي كل مسلم يريد أن يكون منهج حياته القرآن .

و قد رأينا من المناسب أن نورد لكم مثالا و لو قصيرا عن تفسير لآية من آيات كتاب الله الكريم ، و ذلك لتسهيل معرفة طريقة الشيخ بيوض ، في التعمق في الشرح ، و التدقيق في المعاني ، و كل هذا مع سهولة الأفكار ، و بساطة الكلمات ، و محاولة منه رحمه الله إلى تقريب المغزى من الآية إلى أذهان العامة و الخاصة .
و قد اخترنا  أول آية من سورة لقمان ، لنضع بين أيديكم تفسيرها   المعمق ، السهل ، و المفيد .
     


 


((
بسم الله الرحمن الرحيم ، ألم ))

(( ألم ))

بهذه الحروف المقطعة بدئت هذه السورة الكريمة ، و قد تقدم الحديث مرارا عديدة عن مثلها في السور السابقة المبدوءة بها و للعلماء كلام طويل فيها ، في عددها و أنواعها ، و نسبة بعضها إلى بعض ، كما كان لهم كلام كثير في معانيها ، أهي أسماء للسور أم هي شيء آخر ?

أما بعض العلماء فيتوقفون و يقولون : الله أعلم بمراده بذلك ، و بقدر ما يعجبنا قول من أقوال العلماء في مراد الله تعالى بهذه الأحرف إلا أنه يجب أن نقول في آخر الأمر : الله أعلم بمراده بذلك ، لأنه ليس لدينا شيء يقيني عن النبي المعصوم صلى الله عليه و سلم يبين لنا المراد المحدد من هذه الحروف ، و لماذا بدئت به به بعض السور دون أخرى.

فالبحث عن العلل و الحكم ليس محظورا ، بل للعلماء أن يبحثوا و يقولوا اعتمادا على بعض الأشياء : لعل المراد هو هذا أو ذاك ، أما أن يجزم أحدهم فيقول : إن مراد الله هو هذا ، فهذا الذي لا يجوز ، لأنه مما استأثر الله بعلمه .

و أول من سن لنا هذا التفويض لله هم الصحابة رضي الله عنهم ،و لذلك لم يصح عنهم أنهم سألوا النبيء صلى الله عليه و سلم عن معنى هذه الحروف ، أو عن الحكمة فيها ، لأنهم كانوا لقوة إيمانهم يتنزهون عن هذا ، و يقولون : (( ءامنا به كل من عند ربنا ))   ، ما فهمناه فذاك ، و ما لم نفهمه نقرؤه كما أنزل ، و نفوض الأمر فيه إلى الله تعالى ، خاصة إذا لم يتعلق به حكم من أحكام العبادات و المعاملات ، أو الأحكام المتعلقة بالأقضية والحدود .

فما كان إذن من هذا النوع من الآيات التي لم يتضح معناها علينا أن نفوض فيها الأمر لله تعالى ، و هو الذي قال لنا في كتابه : (( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات )) ، و الآيات المحكمات هي الآيات الصريحة اللفظ ، الواضحة المعنى ، و هي التي تتعلق بالعبادات و الأحكام ، و الأوامر و النواهي ، و الواجبات و المحرمات ، مما كلفنا الله تعالى به و أوجب علينا عمله و العمل به ، فمثل هذا لابد أن يكون محكما ظاهرا واضحا ، إلا إن أراد أحد أن يعبث بكلام الله .

و في القرآن آيات متشابهات مما يخفى معناها ، لا يعلمها إلا الله .
 و الراسخون في العلم عند من يعطفون
(( الراسخون في العلم )) على لفظ الجلالة (( الله)) على أن كثيرا من العلماء يقفون عند لفظ الجلالة ((الله)) فيقرؤون : (( و ما يعلم تاويله إلا الله )) ، ثم يواصلون : (( و الراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا )) .

ومن جملة هذا المتشابه : أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة ، مثل : (( ألم )) ، (( ألر )) ، (( طسم )) ، (( طس )) ، (( يس )) ، (( ص )) ، (( ق )) ، (( ن )) ، فهذا من المتشابه التي يمكن فيها البحث لأحد ، و لكن لا يعتقد أن ما أوصله إليه بحثه هو الحق و هو مراد الله تعالى .

و مما قيل في هذه الحروف و اشتهر في هذه العهود : أن الله تعالى يريد أن يبين للناس أن هذا الكتاب إنما نزل بلغة العرب هذه اللغة التي اختارها لتكون لغة كتابه ، و كتابه هو كلامه ، صاغه و ركبه من نفس الحروف التي ينطق بها العرب و يتكلمون ، لم يأت بلغة غير اللغة التي يتخاطبون بها ، و لم يأت بأحرف غير الأحرف التي يستعملون ، و هذا أدخل في باب الإعجاز .

فهو لم يأت بلغة أجنبية ، كأنها لغة طيور ، أو لغة ملائكة أو الجن ، أو لغة قوم لا يعرفونها ، فلو جاء القرآن بلغة لا يعرفها الناس ، أو كانت الحروف التي ركب بها غير التي ينطق بها الناس ، لكان له شأن غير هذا الشأن . و لتكون المعجزة أقوى و أظهر يجب أن يكون الكلام هو الكلام ، و اللغة هي اللغة ، و الألفاظ هي التي يستعملها العرب الذين جاء القرآن بلغتهم ، سواء في حديثهم العامي الذي يتخاطب به الناس في طرقاتهم ، أو الكلام الذي يحتفون به ، و الذي لا يصدر إلا من الحكماء و العقلاء ، و الذين لهم القدرة على تصريفه و تنويعه . و للعرب خطباء مصاقع ، وكذلك هو نفس الكلمات التي يستعملها الشعراء البلغاء ، و ما أكثرهم عند العرب ، و الزمان زمان فصاحة و بلاغة منذ عشرات السنين .

فالقرآن إذن نزل بهذه الحروف و هذه الكلمات ، و لكنه جاء على نمط لا يستطيعه البشر ، حتى إنهم عجزوا أن يأتوا بمثله في جملته ، أو بمثل أقصر سورة منه ، وهذا يظهر الإعجاز ، إذ لو جاء بلغة أخرى ، بحروف غير التي ينطقون بها لما كان للإعجاز وجه.

ففي هذه الحروف إذن فيما ذهب إليه البعض إشارة إلى هذا المعنى ، فكأن الله تعالى يقول : هذا كلام جاء بلغتكم ، مؤلف من جنس الحروف التي تنطقون بها أو تكتبون ، لكنني أتحداكم أن تأتوا بمثله و فيكم بلغاء ، شعراء فحول ، و خطباء مصاقع .

هذا وجه مقبول ، و لكن ليس الواجب أن يكون الوحيد ، و لعل مراد الله تعالى وجوه أخرى مما قاله هؤلاء و أولئك ، و النكت لا تتزاحم ، و المعاني لا تتعارض إذا أمكن للفظ أن يتحملها .     

 




 

. الصفحة الرئيسية .
:: جميع الحقوق محفوظة لمجموعة مواقع الشبكة المـزابية
 ::