|
ما انفك المتفرنجون و الملاحدة و هواة
المدنية الغربية من المسلمين يسبحون بحمد أوروبا و يقدسونها تقديسا كاد
يصل درجة العبادة ، فيقدمون تعاليمهم رجالها على تعاليم الإسلام ، و
يفضلون شرائعها البشرية الوضعية على أسمى شريعة و ضعتها يد الحكمة
الإلهية ، يكفي لصحة المبدأ عندهم أن يكون واضعه أوروبيا ، و لسداد الرأي
و صحة الحكم و عدل القانون و صواب النظرة ، و جودة الفكرة ، و حسن
الخلق و شرف العادة و ثبوت الحقيقة أن ينسب ذلك للأوروبي ، و يكفي لجودة الثوب
أو الإناء مثلا و لمتانته و جماله ووجوب اقتنائه و أفضليته عن غيره أن
يكون صانعه أوروبيا ، و هكذا صارت أوروبا عند هؤلاء شارة الدين و الأدب
و العقل و التمدن و كل شيء .
و على العكس من ذلك بلاد الإسلام ، فيكفي للحكم بفساد المبدإ و خسة
الغاية و خطل الرأي و ضعف الحكم و جور القانون إلخ ، أن ينسب إلى
الإسلام أو إلى مسلم أو عربي . و قد سرت عدوى هؤلاء إلى غيرهم من ذوي
الإيمان الصحيح ، فتمكنت بعض هذه الأوهام في عقولهم من حيث لا يدرون ، و
أصبح ذلك قضية مسلمة عند الجميع ، كأنها من الضروريات ، فعندما يرى أحدهم
نقصا ما في شيء من مصنوعات المسلمين ، أو ضعفا ما في مشروع من مشاريعهم
ينطلق لسانه فجأة و بدون شعور بقوله " ترافاي آراب " يعني خدمة عرب ، و
أصل هذه الكلمة من وضع الفرنجة يستعملونها امتهانا للعرب و حطا من
كرامتهم ، ثم أخذها عنهم المتفرنجون فسرت عدواها من هؤلاء إلى غيرهم
، فحرام على كل مسلم و كل عربي أن ينطق بها مطلقا ، و إلا كان دائسا لشرف
قومه ، واضعا من قدرهم ، ممتهنا لكرامتهم ، رافعا لقدر عدوه ، منوها بشأنه
، فليست الفضيلة و لا الأدب و لا العلم و لا المدنية و لا الإبداع و
الإختراع و لا الإجادة و الإتقان و الإحكام و النظام بوقف على أمم
الغرب دون سواهم ، فتلك مآثر عامة و مكارم مطلقة ينال منها القوي و
الضعيف ، و الحاكم و المحكوم ، و السيد و المسود ، و يأخذ حظه منها كل شعب
، و كل فرد على قدر استعداده ، لا فرق بين شرقي و غربي و لا بين أبيض و
أسود . ففي السود أبطال عظماء و عبقريون نبغاء ، كما أن في البيض سفلة
أدنياء، و أراذل أغبياء ، و في الشرق علماء نبلاء حكماء فضلاء و رجال
بلغوا من شرف النفس و كرم الطبع و صفاء السر و طهارة الضمير و الإنسانية
الكاملة درجة لا يدانيهم فيها إلا الملائكة المكرمون . كما أن في الغرب
فسقة مجرمين و قتلة جناة و لصوصا فاتكين ، بلغوا من دناءة النفوس و لؤم
الطباع و خبث الضمائر درجة لا يوازيهم فيها إلا القردة و الخنازير ، إن
هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، أفإن أدال الله للغرب من الشرق و بسط
عليه سلطانه بما كسبت أيدي أبنائه نسبنا إليه كل فضيلة و مكرمة ؟ و
للشرق كل نقيصة و عار ؟ ألم يكن الشرق بالأمس سيد الغرب و المتحكم فيه
؟ ألم يبسط عليه سلطانه العادل قرونا متطاولة ؟ بل أليست قواعد المدنية
الصحيحة و أسسها المتبقية من أديان الشرق و علومه ؟ و فلسفة حكمائه ؟ و
ليس للغرب إلا شرف الإتباع ؟ و إعلاء البناء من جهة ، و عار التشويه و
الهدم من جهة أخرى ، ففي مدنية الغرب اليوم إثم كبير و منافع للناس و
إثمها أكبر من نفعها .
هذا هو الحق الثابت الذي لا ريب فيه و الحقيقة الصحيحة التي لا مرية
فيها باعتراف حكماء الغرب المنصفين أنفسهم ، و ما فتئت صحف الغرب تنشر
كل يوم من القضايا الجنائية ما تقشعر لهوله الأبدان ، و من أساليب المكر
و الاحتيال و اللصوصية و الإنتشال ما تدهش له العقول تعجبا و استغرابا
، مما يقيم لنا آلاف الأدلة على أن بني الغرب كغيرهم لهم فضائل و رذائل
، وحسنات و سيئات ، و فيهم الشريف و الوضيع ، و العظيم و الحقير ، و
العالم و الجاهل ، و الذكي و الغبي ، و غير ذلك من جميع أقسام البشر ، لا
كما يصورهم لنا الوهم ، إذ بهرتنا قوتهم و كبر في نظرنا سلطانهم ، إنهم
كلهم علماء حكماء ، و بررة أوفياء ، مبرؤون من كل عيب ، يقفون عند حدود
الواجب لا يتعدونه ، و لا يقصرون دونه ، و ربما قيل إن وجدت نقائص و عيوب
في الطبقات الدنيا و المتوسطة ، فإن الطبقات العليا من الساسة و
المفكرين مبرأة الساحة من جميع ذلك ، فلنضرب لهذا القائل مثلا في أكبر
هيئة من هيئات أوروبا الراقية علما و أدبا و ثقافة :
الوزارة الفرنسية ، لا خلاف أن الذين تناط بعهدهم إدارة الوزارات ، و
الذين تسند إليهم رئاسات الأحزاب السياسية الكبرى ، هم من أرقى مواطنيهم
علما و أدبا و ثقافة ، و من أحكم الناس رأيا و أسدهم نظرا ، و لا خلاف في
أنهم درسوا فيما درسوه من قواعد الأدب و الرئاسة تلك القاعدة البسيطة
" المصلحة فوق العاطفة " و أن الأغراض الشخصية يجب أن تفنى أمام المصلحة
الوطنية ، و لا ريب في أن ( مسيو تارديو ) رئيس وزراء فرنسا من أقدر
ساسة فرنسا كفاءة لتسيير دفة السياسة في الأوقات الحرجة ، فقد قال عنه
المخبرون أنه الوجه الذي يرجى عند اشتداد الأزمة بعد (م بونكاري) ، و قال
بعض ساسة أوروبا في شأنه قبل الحرب الكبرى ( توجد ست دول عظام و سابعها
مسيو تارديو ) هذا الذي سقطت و زارته أخيرا و أخفق في مهمة تشكيلها
( بارتووم لافال ) و بقيت الأزمة كذلك أياما متعددة ، و لا سبب في الحقيقة
لذلك إلا محكم الأغراض الشخصية بين الأحزاب ، نحن نعلم أن هنالك أسبابا
أخرى ، و لكن السبب الرئيسي هو الغرض الشخصي من غير شك ، و بدون ريب ، و
هو الذي يجعل الأحزاب تتحين الفرص ، و تثير هذه الغلطات ، و تنتحل الأسباب
، و تستثمر الحوادث لفائدتها و القضاء على أضدادها ، و قد صرح
حزب ( الراديكال سوسياليست ) لـ ( م لافال ) عند محاولته تشكيل وزارة
مشتركة ، أنهم لا يدخلون أبدا ضمن وزارة يكون أحد أعضائها ( م .
تارديو ) ، فأنت ترى أنهم لا ينفرون من رئاسة مسيو (تارديو ) للوزارة
فقط ، بل يبلغ بهم الغلو في ميادينهم الحزبية و تمكن الأغراض من نفوسهم
حتى لا يقبلوا إسناد وزارة ما إليه ناسين كل مصلحة ، معرضين عن كل واجب
، و ليس ذلك فلتة من الفلتات و لا من النادر الذي لا حكم له ، و لا
تبنى عليه قاعدة ، بل هو أدبهم و دينهم .
ففي أوائل هذه السنة فعلوا بوزارة مسيو تارديو نفسه كفعلهم بها اليوم ،
و في الغد سيفعلون بوزارة ( م.أستيق ) ، و هكذا دواليك أحزاب تتناحر
ووزارات ترتفع و تسقط ، و حكومات تهوي و تنقلب ، و العامل الأكبر في
ذلك كله هو الغرض الشخصي ، و تقديم العاطفة على المصلحة .
قسما
بالله أنه لو وقع شيء من ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشرقية و
الإسلامية أو العربية على الخصوص ، لسمعت عبارات السخرية و الإزرداء ،
و ( ترافاي آراب ) و ( بيكو ) ، و غير ذلك من الكلمات الجارحة تترى من
ألسنة المتفرنجين و من لا خلاق لهم من غيرهم فماذا يقول هؤلاء السادة
اليوم في هذه المهازل ؟
أربعوا على ضلعكم أيها السادة و لا تسبوا الشرق و المشرقيين ، و لا
الإسلام و المسلمين ، و لا تنسبوا إليهم كل نقيصة و عار ، و لا إلى
الغرب كل شرف و مكرمة ، فإنكم بذلك تميتون القلوب ، و تخمدون
الهمم ، و تبعثون اليأس في النفوس ، فإن كلماتكم هذه إذا كثر دورانها
على الألسنة رسخ مدلولها في القلوب ، فماتت ، و أثر على الهمم فخمدت ، و
على النفوس فساءت الظن بكفاءتها و مقدرتها و استعدادها فيئست و اعتقدت
أنها لم تخلق إلا لتستعبد و تذل ، فأخلدت إلى السكون و رضيت بالدون .
كل منكم يعلم أن أول أسباب النجاح إحسان الظن بالنفس ، و الثقة بها ، و
الإعتماد عليها . إن أول أسباب الفشل و الخيبة هو سوء الظن بالنفس و
احتقارها و توهم عجزها و ضعفها . فقولوا لإخوانكم الشرقيين عموما و
المسلمين خصوصا أنكم من نسل أبناء كرام ، و أن فيكم الإستعداد
الفطري ما ليس عند غيركم ، و أن أبواب المكارم مفتحة أمامكم ، فما
عليكم إلا أن تلجوها ، و ميادين الشرف و العز و البطولة مترامية
الأطراف ، فما عليكم إلا أن تقتحموها ، ففي استطاعتكم و قدوركم
أن تنالوا فوق منال الغرب لا مثله فقط ، فإنكم تفوقونه بما ورثتم عن
أبائكم من كرم النفوس و شرف الطباع ، فأحسنوا الظن في نفوسكم ، و لا
تظنوا أن الهرب فاقكم بشيء غير جده و كده و ثباته . فإذا حملتم أنفسكم
على ذلك لم يكن بينكم و بين ما تصبون إليه إلا مقدار غلوة ، فما هي إلا
جولة أو جولتان فإذا أنتم على أرائك العزة و السيادة ، و ذلك ما يجب أن
نتواصى به أيها السادة ، و ذلك ما يجب أن نلقيه في روع أبنائنا حتى
تسمو غاياتهم و تعلو مطامحهم ، و بقدر ما تسمو الغاية و يعلو المطمح
يكون الكد و الجد و الصبر و الثبات ، و لنحذر كل ما من شأنه الحط من
كرامة العرب و النيل من قداسة الإسلام و لو بكلمة واحدة تتحرك بها
ألسنتها . فإن أثر ذلك في قتل الأمة عظيم و عاقبته وخيمة .
:: أفلح ::
|