. مقالات الشيخ بيوض في الصحافة .


 

هذا مقال للشيخ بيوض تحت عنوان : " عبرة و ذكرى في الأزمة الوزارية الفرنسية الأخيرة  " .


 
 

ما انفك المتفرنجون و الملاحدة و هواة المدنية الغربية من المسلمين يسبحون بحمد أوروبا و يقدسونها تقديسا كاد يصل درجة العبادة ، فيقدمون تعاليمهم رجالها على تعاليم الإسلام ، و يفضلون شرائعها البشرية الوضعية على أسمى شريعة و ضعتها يد الحكمة الإلهية ، يكفي لصحة المبدأ عندهم أن يكون واضعه أوروبيا ، و لسداد الرأي و صحة الحكم و عدل القانون و صواب النظرة ، و جودة الفكرة ، و حسن الخلق و شرف العادة و ثبوت الحقيقة أن ينسب ذلك للأوروبي ، و يكفي لجودة الثوب أو الإناء مثلا و لمتانته و جماله ووجوب اقتنائه و أفضليته عن غيره أن يكون صانعه أوروبيا ، و هكذا صارت أوروبا عند هؤلاء شارة الدين و الأدب و العقل و التمدن و كل شيء .

و على العكس من ذلك بلاد الإسلام ، فيكفي للحكم بفساد المبدإ و خسة الغاية و خطل الرأي و ضعف الحكم و جور القانون إلخ ، أن ينسب إلى الإسلام أو إلى مسلم أو عربي . و قد سرت عدوى هؤلاء إلى غيرهم من ذوي الإيمان الصحيح ، فتمكنت بعض هذه الأوهام في عقولهم من حيث لا يدرون ، و أصبح ذلك قضية مسلمة عند الجميع ، كأنها من الضروريات ، فعندما يرى أحدهم نقصا ما في شيء من مصنوعات المسلمين ، أو ضعفا ما في مشروع من مشاريعهم ينطلق لسانه فجأة و بدون شعور بقوله " ترافاي آراب " يعني خدمة عرب ، و أصل هذه الكلمة من وضع الفرنجة يستعملونها امتهانا للعرب و حطا من كرامتهم ، ثم أخذها عنهم المتفرنجون فسرت عدواها من هؤلاء إلى غيرهم ، فحرام على كل مسلم و كل عربي أن ينطق بها مطلقا ، و إلا كان دائسا لشرف قومه ، واضعا من قدرهم ، ممتهنا لكرامتهم ، رافعا لقدر عدوه ، منوها بشأنه ، فليست الفضيلة و لا الأدب و لا العلم و لا المدنية و لا الإبداع و الإختراع و لا الإجادة و الإتقان و الإحكام و النظام بوقف على أمم الغرب دون سواهم ، فتلك مآثر عامة و مكارم مطلقة ينال منها القوي و الضعيف ، و الحاكم و المحكوم ، و السيد و المسود ، و يأخذ حظه منها كل شعب ، و كل فرد على قدر استعداده ، لا فرق بين شرقي و غربي و لا بين أبيض و أسود . ففي السود أبطال عظماء و عبقريون نبغاء ، كما أن في البيض سفلة أدنياء،  و أراذل أغبياء ، و في الشرق علماء نبلاء حكماء فضلاء و رجال بلغوا من شرف النفس و كرم الطبع و صفاء السر و طهارة الضمير و الإنسانية الكاملة درجة لا يدانيهم فيها إلا الملائكة المكرمون . كما أن في الغرب فسقة مجرمين و قتلة جناة و لصوصا فاتكين ، بلغوا من دناءة النفوس و لؤم الطباع و خبث الضمائر درجة لا يوازيهم فيها إلا القردة و الخنازير ، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، أفإن أدال الله للغرب من الشرق و بسط عليه سلطانه بما كسبت أيدي أبنائه نسبنا إليه كل فضيلة و مكرمة ؟ و للشرق كل نقيصة و عار ؟ ألم يكن الشرق بالأمس سيد الغرب و المتحكم فيه ؟ ألم يبسط عليه سلطانه العادل قرونا متطاولة ؟ بل أليست قواعد المدنية الصحيحة و أسسها المتبقية من أديان الشرق و علومه ؟ و فلسفة حكمائه ؟ و ليس للغرب إلا شرف الإتباع ؟ و إعلاء البناء من جهة ، و عار التشويه و الهدم من جهة أخرى ، ففي مدنية الغرب اليوم إثم كبير و منافع للناس و إثمها أكبر من نفعها .

هذا هو الحق الثابت الذي لا ريب فيه و الحقيقة الصحيحة التي لا مرية فيها باعتراف حكماء الغرب المنصفين أنفسهم ، و ما فتئت صحف الغرب تنشر كل يوم من القضايا الجنائية ما تقشعر لهوله الأبدان ، و من أساليب المكر و الاحتيال و اللصوصية و الإنتشال ما تدهش له العقول تعجبا و استغرابا ، مما يقيم لنا آلاف الأدلة على أن بني الغرب كغيرهم لهم فضائل و رذائل ، وحسنات و سيئات ، و فيهم الشريف و الوضيع ، و العظيم و الحقير ، و العالم و الجاهل ، و الذكي و الغبي ، و غير ذلك من جميع أقسام البشر ، لا كما يصورهم لنا الوهم ، إذ بهرتنا قوتهم و كبر في نظرنا سلطانهم ، إنهم كلهم علماء حكماء ، و بررة أوفياء ، مبرؤون من كل عيب ، يقفون عند حدود الواجب لا يتعدونه ، و لا يقصرون دونه ، و ربما قيل إن وجدت نقائص و عيوب في الطبقات الدنيا و المتوسطة ، فإن الطبقات العليا من الساسة و المفكرين مبرأة الساحة من جميع ذلك ، فلنضرب لهذا القائل مثلا في أكبر هيئة من هيئات أوروبا الراقية علما و أدبا و ثقافة :
الوزارة الفرنسية ، لا خلاف أن الذين تناط بعهدهم إدارة الوزارات ، و الذين تسند إليهم رئاسات الأحزاب السياسية الكبرى ، هم من أرقى مواطنيهم علما و أدبا و ثقافة ، و من أحكم الناس رأيا و أسدهم نظرا ، و لا خلاف في أنهم درسوا فيما درسوه من قواعد الأدب و الرئاسة تلك القاعدة البسيطة " المصلحة فوق العاطفة " و أن الأغراض الشخصية يجب أن تفنى أمام المصلحة الوطنية ، و لا ريب في أن ( مسيو تارديو ) رئيس وزراء فرنسا  من أقدر ساسة فرنسا كفاءة لتسيير دفة السياسة في الأوقات الحرجة ، فقد قال عنه المخبرون أنه الوجه الذي يرجى عند اشتداد الأزمة بعد (م بونكاري) ، و قال بعض ساسة أوروبا في شأنه قبل الحرب الكبرى ( توجد ست دول عظام و سابعها مسيو تارديو ) هذا الذي سقطت و زارته أخيرا و أخفق في مهمة تشكيلها ( بارتووم لافال ) و بقيت الأزمة كذلك أياما متعددة ، و لا سبب في الحقيقة لذلك إلا محكم الأغراض الشخصية بين الأحزاب ، نحن نعلم أن هنالك أسبابا أخرى ، و لكن السبب الرئيسي هو الغرض الشخصي من غير شك ، و بدون ريب ، و هو الذي يجعل الأحزاب تتحين الفرص ، و تثير هذه الغلطات ، و تنتحل الأسباب ، و تستثمر الحوادث لفائدتها و القضاء على أضدادها ،  و قد صرح حزب ( الراديكال سوسياليست ) لـ ( م لافال ) عند محاولته تشكيل وزارة مشتركة  ، أنهم لا يدخلون أبدا ضمن وزارة يكون أحد أعضائها ( م . تارديو ) ، فأنت ترى أنهم لا ينفرون من رئاسة مسيو (تارديو ) للوزارة فقط ، بل يبلغ بهم الغلو في ميادينهم الحزبية و تمكن الأغراض من نفوسهم حتى لا يقبلوا إسناد وزارة ما إليه ناسين كل مصلحة ، معرضين عن كل واجب ، و ليس ذلك فلتة من الفلتات و لا من النادر الذي لا حكم له ، و لا تبنى عليه قاعدة ، بل هو أدبهم و دينهم .
ففي أوائل هذه السنة فعلوا بوزارة مسيو تارديو نفسه كفعلهم بها اليوم ، و في الغد سيفعلون بوزارة ( م.أستيق ) ، و هكذا دواليك أحزاب تتناحر ووزارات ترتفع و تسقط ، و حكومات تهوي و تنقلب ، و العامل الأكبر في ذلك كله هو الغرض الشخصي ، و تقديم العاطفة على المصلحة  .
 قسما بالله أنه لو وقع شيء من ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشرقية و الإسلامية أو العربية على الخصوص ، لسمعت عبارات السخرية و الإزرداء ، و ( ترافاي آراب ) و ( بيكو ) ، و غير ذلك من الكلمات الجارحة تترى من ألسنة المتفرنجين و من لا خلاق لهم من غيرهم فماذا يقول هؤلاء السادة اليوم في هذه المهازل ؟

أربعوا على ضلعكم أيها السادة و لا تسبوا الشرق و المشرقيين ، و لا الإسلام و المسلمين ، و لا تنسبوا إليهم كل نقيصة و عار ، و لا إلى الغرب كل شرف و مكرمة ، فإنكم بذلك تميتون القلوب  ، و تخمدون الهمم ، و تبعثون اليأس في النفوس ، فإن كلماتكم هذه إذا كثر دورانها على الألسنة رسخ مدلولها في القلوب ، فماتت ، و أثر على الهمم فخمدت ، و على النفوس فساءت الظن بكفاءتها و مقدرتها و استعدادها فيئست و اعتقدت أنها لم تخلق إلا لتستعبد و تذل ، فأخلدت إلى السكون و رضيت بالدون .

كل منكم يعلم أن أول أسباب النجاح إحسان الظن بالنفس ، و الثقة بها ، و الإعتماد عليها . إن أول أسباب الفشل و الخيبة هو سوء الظن بالنفس و احتقارها و توهم عجزها و ضعفها . فقولوا لإخوانكم الشرقيين عموما و المسلمين خصوصا أنكم من نسل أبناء كرام ،  و أن فيكم الإستعداد الفطري ما ليس عند غيركم ، و أن أبواب المكارم مفتحة أمامكم ، فما عليكم إلا أن تلجوها ، و ميادين الشرف و العز و البطولة مترامية الأطراف ، فما عليكم إلا أن تقتحموها ، ففي استطاعتكم و قدوركم  أن تنالوا فوق منال الغرب لا مثله فقط ، فإنكم تفوقونه بما ورثتم عن أبائكم من كرم النفوس و شرف الطباع ، فأحسنوا الظن في نفوسكم ، و لا تظنوا أن الهرب فاقكم بشيء غير جده و كده و ثباته . فإذا حملتم أنفسكم على ذلك لم يكن بينكم و بين ما تصبون إليه إلا مقدار غلوة ، فما هي إلا جولة أو جولتان فإذا أنتم على أرائك العزة و السيادة ، و ذلك ما يجب أن نتواصى به أيها السادة ، و ذلك ما يجب أن نلقيه في روع أبنائنا حتى تسمو غاياتهم و تعلو مطامحهم ، و بقدر ما تسمو الغاية و يعلو المطمح يكون الكد و الجد و الصبر و الثبات ، و لنحذر كل ما من شأنه الحط من كرامة العرب و النيل من قداسة الإسلام و لو بكلمة واحدة تتحرك بها ألسنتها . فإن أثر ذلك في قتل الأمة عظيم و عاقبته وخيمة  .

:: أفلح ::


 


. ارجــع إلى صفحة مقالات الشيخ بيوض .

 

. الصفحة الرئيسية .
:: جميع الحقوق محفوظة لمجموعة مواقع الشبكة المـزابية
 ::