. مقالات الشيخ بيوض في الصحافة .


 

هذان مقالان من المقالات الثلاثة المنشورة تحت عنوان : " واجب الآباء نحو الأبناء "  ، بجريدة وادي ميزاب ، إنها مرآة لذلك العهد في التربية ، و لها قيمة تاريخية كبرى ، كما أنها دليل على ما قارعه المصلحون في الجزائر من أمراض الأمة ، سيما في باب التربية ، فقضوا عليها ، فرجع الآباء و الأمهات إلى التربية الصحيحة و عرفوا واجبهم نحو الأبناء .
و إليكم نص المقال الثاني كاملا .


 
 

واجب الآباء نحو الأبناء : ( 2 ) :

رأينا في العدد الماضي كيفية تربيتنا لأبنائنا في دورهم الأول ، دور حياتهم المنزلية ، و تبين لنا جليا مقدار غلطنا في فهم معنى التربية ، و كيف أننا قصدنا الخير لهم و لأمتهم فضللنا الطريق ، فعسى أن نتدارك تلك الهفوات فقد لمسنا النتيجة بأيدينا و ما بعد العيان بيان ، و سنرى الآن كيفية تربيتنا لهم في دورهم الثاني ، ذلك الدور الذي لايقل أهمية عن الأول ، ذلك الدور الذي يسميه المتمدنون بحق دور الحياة المدرسية ، نعم انه و أيم الله دور الحياة المدرسية ، إذ يجب ألا يمضي الأب عمر ولده من السادسة الى الثامنة عشر أو الحادية و العشرين إلا في أحضان المدرسة التي هي الأم الثانية ، تلك هي طريقة الذين يعرفون حقيقة معنى الحياة ! أما نحن ففي ذلك على أقسام :

فمنا من يتفانى في حب و لده ، ذلك الحب الجنوني الذي ينظر فيه دائما إلى جانب العاطفة ، غير ملتفت نحو المصلحة بحال ، يحترز كل الإحتراز و يحذر كل الحذر أن يجرح عاطفته بشيء ما ، و لو كان مما تتوقف سعادة مستقبله عليه ، فلا يذهب به إلى المدرسة لأنه يكرهها ، و لا يعلمه لأن التعليم يقلقه ، و لا يكلفه إتيان عمل ما لأن ذلك يزعجه ! يخاطبه مخاطبة العبد لسيده ، و يعامله معاملة المرءوس لرئيسه ، و قد يحترم ابنه و يهابه حتى لا يقدر أن يخاطبه ، فإذا اضطر الى إبلاغ شيء له أبلغه بواسطة أمه ، يبالغ في اكرامه ، و يقف عند حدود إرادته ، لأنه بذلك يثير حفيظته ، يخاف صولة غضبه ، كأنه اذا غضب خيف على الشمس أن تكسف ، و على السماء أن تسقط كسفا ! و قد يمعن البعض في هذا الضلال حتى لا يرضى أن يرى ولده يزاول عملا ما من الأعمال ، كأنه يراه أجل و أكبر من أن يتنازل لأي عمل ، و كأنه يرى أن في ذلك حطة له و لولده ، فينهاه صراحة عن ذلك ، عوض أن يعوده عليه فينشأ الصبي و قد عود الترف و الكسل ، ذينك الخلقين اللذين ما تمكنا من أمة إلا أهلكا حرثها و نسلها  من لوح الوجود محيا إسمها ! لأن الترف يبدد الموجود ، و الكسل يمنع من جلب المفقود ، و لا معنى لذلك إلا الفناء العاجل .

تتسع مطالب ذلك الصبي المدلل و تكبر على قدر كبره ، فيسرع في تبديد ثروة أبيه إرضاء لشهواته التي لا تقف عند حد كالنار تلتهم ما حولها ، فإذا لم ينتبه الأب من غفلته تلك ، و لم يسع بجد لإطفاء ذلك الحريق ، أتى على كل ما عنده ، فأصبح في عاوية الفقر يتعثر في أذيال البؤس و الشقاء ، و إذا تنبه لذلك و رأى الخطر محدقا به و جيوش الفقر ببابه ، فأوصد الابواب دون ولده ، و ضيق عليه الخناق ، بعد ما عوده من الترف و الحرية المطلقة ما عوده ، تنمر له و نغص عيشه و أذاقه من العذاب ألوانا و أشكالا لم تكن لتخطر له ببال ، لقد كان يعتقد أن ولده هذا يكون شريكه في الحياة ، يقاسمه السراء و الضراء ، فيستغيث الأب و لا مغيث و يسترحم و لا راحم ، فيسمى في إبعاده و طرده ، يود ألا يراه و يتمنى لو كان عبدا فباعه ، أو أمكنه انكار نسبه فأنكره ، و أنى له ذلك !

ثم يمطر هذا الأب السيء التربية ولده الفاسد من سيء الدعوات ما يحول بينه و بين رحمة الله ، فيزداد ضلالا على ضلال ، ظلمات بعضها فوق بعض ، فيهيم في الأرض على وجهه ، تتقاذفه البلاد ثم ينغمس في حماة الجرائم فتتداوله المقاهي ، و المقامر ، و الحانات و السجون ، فلا يزال كذلك و لا تزال روائح جرائمه المنتنة تنقل الى أبيه ، فتقض مضجعه ، و يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، حتى يأتي الإبن حينه في أحد تلك الأماكن ، و لسان حاله ينشد :"هذا ما جناه أبي علي و ما جنيت على أحد " و الله أعلم الى أين تنقل روحه !

كان ذلك بما قدمت يد الأب ، و إذا عوتب على تربيته تلك أجاب : بأني قد بذلت جهدي ، و خسرت جل مالي عليه ، و جعلت له كل ما يجب ، و لكن الله يهدي من يشاء ، كأن المسكين يظن أن التربية هي غمس الأولاد في بحار النعم و إطعامهم ألذ المطاعم ، و إلباسهم أفخر الثياب ، و إعطائهم جميع مشتهياتهم و مطالبهم ، و تعويدهم الراحة و الكسل ! ما أجهل هؤلاء ، و ما أضلهم و ما أشد غلطهم ، و ما أبعدهم عن الصواب ..."و رب لطمة أنفع ليتيم من أكلة خبيص! " .
  ووضع الندى في موضع السيف بالعلا   ،    مضر كوضع السيف في موضع الندى   

و منا من يفرط في تأديب و لده ، و يغلو في تربيته ، فيتجاوز حد المعقول ، و يتنكب طرق الحكمة و الموعظة الحسنة لا ينظر إليه إلا شزرا و لا يكلمه إلا انتهازا ، لا يغتفر زلة ، و لا يقبل منه اعتذارا ، لا يبش في وجهه و لا يبسم ، بل دائما منتفخ الشفتين ، مقطب الجبين ، لا يرى ابنه فيه أبا رحيما حليما مربيا يريد له الخير و السعادة ، بل يرى فيه غولا مخيفا ، و أسدا ضاريا ، يأمره بانتهار و همهمة لا يفهم الولد منها شيئا ، فإذا استفهمه عاتبه مر العتاب ، و إذا أتى بخلاف ما أمر به حسب ما انفهم له من كلامه صب عليه صواعق العذاب ، يريد منه أن يكون رجلا كامل الرجولية ، و لم يبلغ بعد سن الرشد ، و يكلفه الإنسلاخ من طبائع الصبا دفعة واحدة ، و ذلك عين المحال !

ما حيلة الولد المسكين ، و كيف تكون حاله ، يخاف والده و يهابه خوفه من طوارئ السباع ، و يهرب منه هروبه من الهوام السامة ، إذا سلك أبوه طريقا تنكبها و سلك غيرها ، و إذا دخل مكانا ابتعد هو منه ما دام الوالد فيه ، يكون هذا في أول أمره احتراما وتوقيرا ، ثم لا يلبث أن يستحيل بغضا حقيقيا تقطع به و شيحة الرحم بينهما حتى لا يعود أحدهما يشعر نحو الآخر بعاطفة ما للحب ، بل بالبغض الشديد .
و حينئذ إما أن يضيق قلب الولد بالغيظ ، فيطير إلى حيث لا يرى له أثر ، و لا يسمع له خبر ، إذ يرى أن لا سعادة له إلا في ابتعاده عن والده ، و لا تسأل عن حاله بعد ذلك فقد علمت عاقبة الشرد و المهملين !
و إما أن ينفجر مرجل غيضه فيثأر لنفسه من أبيه ، و قد أصبح بحيث لا يخاف سطوته ، فيقف له موقف المعائد اللدود ، يسقيه الصاب و العلقم ، فإذا ضاق به ذرعا ، و رأى أن لا سعادة له إلا بإبعاده وطرده ، و ألقى به إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ، و لا تسأل بعد عن العاقبة ، فالعاقبة معروفة . كل ذلك و الأب يعتقد أنه أحسن إلى ولده ، وأدى واجبه نحوه ، و إذا سئل عن ذلك أجاب : بأنني بذلت جميع ما في وسعي في تربيته ، فعاتبته مر العتاب ، و سجنته أياما و طردته من الدار ليالي ، و ربطته إلى السارية و كسرت العصى على رأسه ، و لم أذكر أنني ابتسمت في وجهه أبدا ، و لكن النافع هو الله ، كأن المسكين يظن أن التربية هي الخشونة التي لا لين معها ، و القسوة التي لا رحمة معها ،فحاد عن طريق التربية الحقة فضل وأضل !

هذه هذين القسمين ، و تلك هي نتيجة و عاقبة مسلكيها ، فانظروا كيف اختلف الطريقان و اتحدت الغاية ، أهمل أولهما التربية و فرط فيها ، و ترك ولده حرا طليقا ، يمرح كيف يشاء ، و يجالس من تهواه نفسه و يذهب أنى قاده هواه ، و ساقه نزق صباه فقضى بذلك عليه و على ولده و على أمته .
و بالغ ثانيهما فيها و أفرط ، و لم يتبع طرق الحكمة ، و كان فظا غليظ القلب ، فانفض و لده من حوله ، إلى حيث شقاؤه و شقاء أمته به .

أعرف رجالا في القسم الأول أمعنوا في طريقتهم تلك ، و بالغوا في حب أولادهم ذلك الحب الجنوني ، حتى صار الواحد منهم يعطي ابنه مقدارا من الدراهم ، ثم يأذن له بالذهاب إلى محال الخلاعة و الفجور ،  إلى مذابح الأديان ، و مجازر الأعراض ، إلى حيث يسجل اسمه و اسم أبيه بيده في دفتر الفجرة الأشقياء ، إلى حيث سماسرة الجحيم ، يبتاع منهم له و لأبيه مقعدا فيها ، يذهب الولد إلى ذلك التنور ، و قد يسافر له إن كان في غير بلده ، و هو فرح مسرور ، مغتبط بحاله لا يرى أن في العالم من هو أسعد ، إذ رزقه الله مثل ذلك الأب الرحيم الذي يفعل له كل ما يحب .
ووالده معجب به ، يباهي أصدقاءه به ، و يحمد الله على أن رزقه و لدا مثله ، و أحياه حتى صار يفعل فعل الرجال ، يقيم ولده في خلاعته تلك ما شاء و شاء هواه ، و أبوه ينتظره كأنما ينتظر غازيا في سبيل الله ، و إذا رجع و معه شيء من دراهمه التي أعطاها إياه عاتبه ، و عد ذلك منه سوء تدبير ، و ضعفا في النفس ومهانة ، و قال له : أتظنني في حاجة إلى هذه الدريهمات حتى ترجعها إلي ؟ و لم تمض أيام على ذلك حتى استقر الابن في قرارة الشقاء ، فصار الأب لا يفزعه ذكر الجن و الشياطين ، و وصف زبانية الجحيم ، كما يؤثر فيه ذكر اسم ولده ، بل صار يبغض كل من تسمى باسمه تبعا له ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، كيف استحال ذلك الحب القديم بغضا . استغفر الله ، بل لا يسوغ لي أن أسميه حبا ، فليس من الحب في شيء ،انما هو البغض الحقيقي في صورة حب .

و أعرف رجالا من القسم الثاني رزقوا أولادا أذكياء نجباء بررة ، تدل أسارير وجوههم على حلاوة شمائلهم ، و تنم عيونهم الحيية على طهارة قلوبهم ، فلم يزل آباؤهم بفظاظتهم و غلظتهم ، و خشونة طباعهم ، و شراسة أخلاقهم ، يمطرونهم صواعق اللوم و العتاب ، و قذائف الشتم و السباب ، لمناسبة و لغير مناسبة ، و ينفثون في قلوبهم الطاهرة سموم أخلاقهم ، حتى أفسدوا عليهم عقولهم ومروءتهم ، و شرفهم ، و أنهكوا أجسامهم اللطيفة ، بما حملوه من الهم الذي لا قبل لهم به و أوردوهم أسوأ الموارد و أوخم العواقب ، فما هم أولاء يندبون حظهم ، و يعضون بنان الندم على ما فرط منهم ، و لكن سبق السيف العذل .

اعتبروا أيها الآباء بمسلك هذين القسمين ، و بمصير أولادهم ، و عاقبة أمرهم ، و انظروا كيف تنكب أحدهم الطريق يمينا ، و الآخر شمالا ، فتردى الإثنان في هوة لا قعر لها ، فاتعظوا بهما و اسلكوا بأولادكم غير سبيلهما ، فصراط التربية المستقيم و سط بين ذينك الطرفين ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) فالعاقل من اتـعظ بغيره  " و اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " .

:: أفلـــح ::


 


. ارجــع إلى صفحة مقالات الشيخ بيوض .

 

. الصفحة الرئيسية .
:: جميع الحقوق محفوظة لمجموعة مواقع الشبكة المـزابية
 ::