|
واجب الآباء نحو الأبناء
: ( 2 ) :
رأينا في العدد الماضي كيفية تربيتنا
لأبنائنا في دورهم الأول ، دور حياتهم المنزلية ، و تبين لنا جليا مقدار
غلطنا في فهم معنى التربية ، و كيف أننا قصدنا الخير لهم و لأمتهم
فضللنا الطريق ، فعسى أن نتدارك تلك الهفوات فقد لمسنا النتيجة بأيدينا
و ما بعد العيان بيان ، و سنرى الآن كيفية تربيتنا لهم في دورهم الثاني
، ذلك الدور الذي لايقل أهمية عن الأول ، ذلك الدور الذي يسميه المتمدنون
بحق دور الحياة المدرسية ، نعم انه و أيم الله دور الحياة المدرسية ، إذ
يجب ألا يمضي الأب عمر ولده من السادسة الى الثامنة عشر أو الحادية و
العشرين إلا في أحضان المدرسة التي هي الأم الثانية ، تلك هي طريقة
الذين يعرفون حقيقة معنى الحياة ! أما نحن ففي
ذلك على أقسام :
فمنا من يتفانى في حب و لده ، ذلك الحب
الجنوني الذي ينظر فيه دائما إلى جانب العاطفة ، غير ملتفت نحو المصلحة
بحال ، يحترز كل الإحتراز و يحذر كل الحذر أن يجرح عاطفته بشيء ما ، و
لو كان مما تتوقف سعادة مستقبله عليه ، فلا يذهب به إلى المدرسة لأنه
يكرهها ، و لا يعلمه لأن التعليم يقلقه ، و لا يكلفه إتيان عمل ما لأن
ذلك يزعجه ! يخاطبه مخاطبة العبد لسيده ، و
يعامله معاملة المرءوس لرئيسه ، و قد يحترم ابنه و يهابه حتى لا يقدر أن
يخاطبه ، فإذا اضطر الى إبلاغ شيء له أبلغه بواسطة أمه ، يبالغ في اكرامه
، و يقف عند حدود إرادته ، لأنه بذلك يثير حفيظته ، يخاف صولة غضبه ، كأنه
اذا غضب خيف على الشمس أن تكسف ، و على السماء أن تسقط كسفا
! و قد يمعن البعض في هذا الضلال حتى لا يرضى
أن يرى ولده يزاول عملا ما من الأعمال ، كأنه يراه أجل و أكبر من أن
يتنازل لأي عمل ، و كأنه يرى أن في ذلك حطة له و لولده ، فينهاه صراحة عن
ذلك ، عوض أن يعوده عليه فينشأ الصبي و قد عود الترف و الكسل ، ذينك
الخلقين اللذين ما تمكنا من أمة إلا أهلكا حرثها و نسلها من لوح
الوجود محيا إسمها ! لأن الترف يبدد الموجود ، و
الكسل يمنع من جلب المفقود ، و لا معنى لذلك إلا الفناء العاجل .
تتسع مطالب ذلك الصبي المدلل و تكبر على قدر كبره ، فيسرع في تبديد ثروة
أبيه إرضاء لشهواته التي لا تقف عند حد كالنار تلتهم ما حولها ، فإذا لم
ينتبه الأب من غفلته تلك ، و لم يسع بجد لإطفاء ذلك الحريق ، أتى على كل
ما عنده ، فأصبح في عاوية الفقر يتعثر في أذيال البؤس و الشقاء ، و إذا
تنبه لذلك و رأى الخطر محدقا به و جيوش الفقر ببابه ، فأوصد الابواب دون
ولده ، و ضيق عليه الخناق ، بعد ما عوده من الترف و الحرية المطلقة ما
عوده ، تنمر له و نغص عيشه و أذاقه من العذاب ألوانا و أشكالا لم تكن
لتخطر له ببال ، لقد كان يعتقد أن ولده هذا يكون شريكه في الحياة
، يقاسمه السراء و الضراء ، فيستغيث الأب و لا مغيث و يسترحم و لا راحم
، فيسمى في إبعاده و طرده ، يود ألا يراه و يتمنى لو كان عبدا فباعه ، أو
أمكنه انكار نسبه فأنكره ، و أنى له ذلك !
ثم يمطر هذا الأب السيء التربية ولده الفاسد من سيء الدعوات ما
يحول بينه و بين رحمة الله ، فيزداد ضلالا على ضلال ، ظلمات بعضها فوق
بعض ، فيهيم في الأرض على وجهه ، تتقاذفه البلاد ثم ينغمس في حماة
الجرائم فتتداوله المقاهي ، و المقامر ، و الحانات و السجون ، فلا يزال
كذلك و لا تزال روائح جرائمه المنتنة تنقل الى أبيه ، فتقض مضجعه ، و
يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، حتى يأتي الإبن حينه في أحد تلك
الأماكن ، و لسان حاله ينشد :"هذا ما جناه أبي علي و ما جنيت على أحد " و
الله أعلم الى أين تنقل روحه !
كان ذلك بما قدمت يد الأب ، و إذا عوتب على تربيته تلك أجاب
: بأني قد بذلت جهدي ، و خسرت جل مالي عليه ، و جعلت له كل ما يجب ، و لكن
الله يهدي من يشاء ، كأن المسكين يظن أن التربية هي غمس الأولاد في بحار
النعم و إطعامهم ألذ المطاعم ، و إلباسهم أفخر الثياب ، و إعطائهم جميع
مشتهياتهم و مطالبهم ، و تعويدهم الراحة و الكسل ! ما
أجهل هؤلاء ، و ما أضلهم و ما أشد غلطهم ، و ما أبعدهم عن الصواب ..."و
رب لطمة أنفع ليتيم من أكلة خبيص! "
.
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ،
مضر كوضع السيف في موضع الندى
و منا من يفرط في تأديب و لده ، و يغلو في
تربيته ، فيتجاوز حد المعقول ، و يتنكب طرق الحكمة و الموعظة الحسنة لا
ينظر إليه إلا شزرا و لا يكلمه إلا انتهازا ، لا يغتفر زلة ، و لا يقبل
منه اعتذارا ، لا يبش في وجهه و لا يبسم ، بل دائما منتفخ الشفتين ، مقطب
الجبين ، لا يرى ابنه فيه أبا رحيما حليما مربيا يريد له الخير و
السعادة ، بل يرى فيه غولا مخيفا ، و أسدا ضاريا ، يأمره بانتهار و همهمة
لا يفهم الولد منها شيئا ، فإذا استفهمه عاتبه مر العتاب ، و إذا أتى
بخلاف ما أمر به حسب ما انفهم له من كلامه صب عليه صواعق العذاب ، يريد
منه أن يكون رجلا كامل الرجولية ، و لم يبلغ بعد سن الرشد ، و يكلفه
الإنسلاخ من طبائع الصبا دفعة واحدة ، و ذلك عين المحال !
ما حيلة الولد المسكين ، و كيف تكون حاله ، يخاف والده و يهابه
خوفه من طوارئ السباع ، و يهرب منه هروبه من الهوام السامة ، إذا سلك
أبوه طريقا تنكبها و سلك غيرها ، و إذا دخل مكانا ابتعد هو منه ما دام
الوالد فيه ، يكون هذا في أول أمره احتراما وتوقيرا ، ثم لا يلبث أن
يستحيل بغضا حقيقيا تقطع به و شيحة الرحم بينهما حتى لا يعود أحدهما
يشعر نحو الآخر بعاطفة ما للحب ، بل بالبغض الشديد .
و حينئذ إما أن يضيق قلب الولد بالغيظ ، فيطير إلى حيث لا يرى له أثر ، و
لا يسمع له خبر ، إذ يرى أن لا سعادة له إلا في ابتعاده عن والده ، و لا
تسأل عن حاله بعد ذلك فقد علمت عاقبة الشرد و المهملين !
و إما أن ينفجر مرجل غيضه فيثأر لنفسه من أبيه ، و قد أصبح بحيث
لا يخاف سطوته ، فيقف له موقف المعائد اللدود ، يسقيه الصاب و العلقم
، فإذا ضاق به ذرعا ، و رأى أن لا سعادة له إلا بإبعاده وطرده ، و ألقى به
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ، و لا تسأل بعد عن العاقبة ، فالعاقبة
معروفة . كل ذلك و الأب يعتقد أنه أحسن إلى ولده ، وأدى واجبه نحوه ، و
إذا
سئل عن ذلك أجاب : بأنني بذلت جميع ما في وسعي في تربيته ، فعاتبته مر
العتاب ، و سجنته أياما و طردته من الدار ليالي ، و ربطته إلى السارية و
كسرت العصى على رأسه ، و لم أذكر أنني ابتسمت في وجهه أبدا ، و لكن
النافع هو الله ، كأن المسكين يظن أن التربية هي الخشونة التي لا لين
معها ، و القسوة التي لا رحمة معها ،فحاد عن طريق التربية الحقة فضل
وأضل !
هذه هذين القسمين ، و تلك هي نتيجة و عاقبة مسلكيها ، فانظروا كيف
اختلف الطريقان و اتحدت الغاية ، أهمل أولهما التربية و فرط فيها ، و ترك
ولده حرا طليقا ، يمرح كيف يشاء ، و يجالس من تهواه نفسه و يذهب أنى قاده
هواه ، و ساقه نزق صباه فقضى بذلك عليه و على ولده و على أمته .
و بالغ ثانيهما فيها و أفرط ، و لم يتبع طرق الحكمة ، و كان فظا غليظ
القلب ، فانفض و لده من حوله ، إلى حيث شقاؤه و شقاء أمته به .
أعرف رجالا في القسم الأول أمعنوا في
طريقتهم تلك ، و بالغوا في حب أولادهم ذلك الحب الجنوني ، حتى صار الواحد
منهم يعطي ابنه مقدارا من الدراهم ، ثم يأذن له بالذهاب إلى محال
الخلاعة و الفجور ، إلى مذابح الأديان ، و مجازر الأعراض ، إلى حيث يسجل
اسمه و اسم أبيه بيده في دفتر الفجرة الأشقياء ، إلى حيث سماسرة الجحيم
، يبتاع منهم له و لأبيه مقعدا فيها ، يذهب الولد إلى ذلك التنور ، و قد
يسافر له إن كان في غير بلده ، و هو فرح مسرور ، مغتبط بحاله لا يرى أن
في العالم من هو أسعد ، إذ رزقه الله مثل ذلك الأب الرحيم الذي يفعل له
كل ما يحب .
ووالده معجب به ، يباهي أصدقاءه به ، و يحمد الله على أن رزقه و لدا مثله
، و أحياه حتى صار يفعل فعل الرجال ، يقيم ولده في خلاعته تلك ما شاء و
شاء هواه ، و أبوه ينتظره كأنما ينتظر غازيا في سبيل الله ، و إذا رجع و
معه شيء من دراهمه التي أعطاها إياه عاتبه ، و عد ذلك منه سوء تدبير ، و
ضعفا في النفس ومهانة ، و قال له : أتظنني في حاجة إلى هذه الدريهمات
حتى ترجعها إلي ؟ و لم تمض أيام على ذلك حتى استقر الابن في قرارة
الشقاء ، فصار الأب لا يفزعه ذكر الجن و الشياطين ، و وصف زبانية الجحيم
، كما يؤثر فيه ذكر اسم ولده ، بل صار يبغض كل من تسمى باسمه تبعا له
، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، كيف استحال ذلك الحب القديم بغضا . استغفر
الله ، بل لا يسوغ لي أن أسميه حبا ، فليس من الحب في شيء ،انما هو
البغض الحقيقي في صورة حب .
و أعرف رجالا من القسم الثاني رزقوا
أولادا أذكياء نجباء بررة ، تدل أسارير وجوههم على حلاوة شمائلهم ، و تنم
عيونهم الحيية على طهارة قلوبهم ، فلم يزل آباؤهم بفظاظتهم و غلظتهم ، و
خشونة طباعهم ، و شراسة أخلاقهم ، يمطرونهم صواعق اللوم و العتاب ، و قذائف
الشتم و السباب ، لمناسبة و لغير مناسبة ، و ينفثون في قلوبهم الطاهرة
سموم أخلاقهم ، حتى أفسدوا عليهم عقولهم ومروءتهم ، و شرفهم ، و أنهكوا
أجسامهم اللطيفة ، بما حملوه من الهم الذي لا قبل لهم به و أوردوهم أسوأ
الموارد و أوخم العواقب ، فما هم أولاء يندبون حظهم ، و يعضون بنان الندم
على ما فرط منهم ، و لكن سبق السيف العذل .
اعتبروا أيها الآباء بمسلك هذين القسمين
، و بمصير أولادهم ، و عاقبة أمرهم ، و انظروا كيف تنكب أحدهم الطريق
يمينا ، و الآخر شمالا ، فتردى الإثنان في هوة لا قعر لها ، فاتعظوا بهما
و اسلكوا بأولادكم غير سبيلهما ، فصراط التربية المستقيم و سط بين ذينك
الطرفين ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) فالعاقل
من اتـعظ بغيره " و اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "
.
:: أفلـــح ::
|