|
واجب الآباء نحو الأبناء
: ( 1 ) :
الصبي أمانة بيد أبيه أو القيم عليه ، و
هو المسؤول عنه أمام الله و الناس ، و عليه وحده يتوقف مستقبل ابنه ، صحة
أو سقما ، علما أو جهلا ، سعادة أو شقاوة ، فيجب عليه في آن واحد تربية
جسمه و عقله و خلقه ، بذلك تتم سعادته و سعادة أمته به ، بل و سعادة
الإنسانية جمعاء و بإهمال شيء من ذلك يشقى و تشقى أمته به، بل و
الإنسانية كلها ،فالمرء مهما ضعف و صغرت قيمته فهو فرد من أفراد
العائلة الإنسانية الكبرى ، هذه حقائق واضحة ، و قضايا مسلمة ، لا يختلف
فيه اثنان ، فليس من غرضنا الآن الاستدلال على صحتها ، و لا تذكير الناس
به ، ضرورة أنها عندهم من البديهيات و ليس ثمة جاهل فضلا عن عاقل يحاول
طمس هاته الحقائق ، و لا رفع تلك المسؤولية الكبرى عن كواهل الآباء و
أولياء الأيتام ، و إنما غرضنا أن نبحث هل الآباء و الأولياء سائرون
بمقتضى تلك القواعد المتقررة في أذهانهم ؟ و هل قدروا تلك الأمانات التي
بأيديهم حق قدرها ؟ و هل سلكوا بها سبل السلام ؟ و هل أعدوا للسؤال عنها
يوم العرض الأكبر جوابا ؟ نقول لم نر فيما رأينا من الآباء و الأولياء
- و كثير ما هم - من لا يعترف بتلك المسؤولية ، و لا من يهتم لأمر ولده في
حاله و مآله أكثر من اهتمامه لأي شيء سواه ، بل لم نر منهم إلا من جعل
ولده نصب عينيه ، في حركته و سكونه ، و يقظته و منامه ، فإذا بخل فلأجله و
إذا جبن فبسببه و إذا هلك فعليه ( الولد مبخلة مجبنة مهلكة ) ، بل قد
يتفانى فيه حتى لا يرى في الوجود سواه ، يضيع دينه و دنياه و نفسه في
سبيل الإحتفاظ به ، يتمنى من صميم قلبه أن يكون ابنه أعظم رجل في العالم
، هكذا حبنا لأبنائنا ، و هذا هو مبلغ عزنا لهم ، و ذلك هو مقدار اهتمامنا
بهم ، و لا غرو فهم أكبادنا تمشي على الأرض .
و بعد فما الذي تركهم في أخريات الأمم ، و ما الذي ألقى بهم في مهاوي
الجهالة ، و ما الذي أرداهم في حضيض الرذائل و بؤرة الفساد ؟ و كيف لم
يكونوا كما نتمنى لهم رجالا مخلصين عاملين لصالحهم و صالح أمتهم ووطنهم
، بعد أن اهتممنا بهم ذلك الإهتمام ، و بعد أن كرسنا حياتنا للعمل
لفائدتهم ؟ هل الذنب في ذلك ذنبهم أم هو راجع الينا ؟
اسمحوا لي سادتي أن أقول لكم : إن الذنب هو ذنبنا ، و أن المسؤولية عائدة
علينا و أننا لم نؤد نحو أبنائنا شيئا من الواجب ، و أننا سنحاسب على
ذلك حسابا عسيرا و يسأل كل راع عن رعيته .
نحب أولادنا حبا جما ، و نهتم لشأنهم جد الإهتمام ، و نتمنى لهم
السعادتين و نعمل لذلك و لكن و ياللأسف نأتي البيوت من ظهورها فنسلك
الى السعادة طريق الشقاء ،و نذهب إلى الرشد في سبيل الغي ، و نأتي
الفضيلة من جهة الرذيلة ، و بعبارة أوضح نسلك بأفلاذ أكبادنا سبلا نعتقد
لجهلنا أن غايتها السعادة ، و هي الشقاء بعينه ، و نجلسهم بأيدينا على
كراسي نحسبها عروش فضائل ، و هي أعواد مشانق الرذائل ، نسقيهم لبلهنا
كاسات السم الزعاف ، ظانين أنها العسل المصفى ، بعد هذه الأغلاط الفادحة
نعتقد أننا أدينا واجبنا نحو أبنائنا ، و أننا تفصينا من مسؤوليتهم ، و
أنها ملقاة على كواهلهم و على القدر أو علىالدهر ، كلا و ربك فنحن و
حدنا مسؤولون ، و سنؤخذ بالنواصي و الأقدام إن لم نتدارك الأمر ، و
نستأنف العمل ، و نأت البيوت من أبوابها فإن كنت في شك من ذلك فاستمع
لما أتلوه عليك .
غير خاف أن أول أدوار الحياة للطفل هو
الست سنين الأولى ، تلك هي بذرة الحياة ، فلنغرسها حيث شئنا ، في رياض
السعادة ، أو في مهامه الشقاء ، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه قلب الصبي
صحيفة بيضاء قابلة لكل نقش و صورة ، فلنتخير ما ننقشه و نصوره فيه ، فهو
الثابت الذي لا يتزلزل ، و لا ينسخ و لا يمحو أثره كر الغداة و مر العشي
، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه الصبي شمعا لينا بين أيدينا ، قابلا لكل
شكل و هيأة ، فلننظر كيف نصوره أحسن الهندام ، تام الخلقة متناسب الأعضاء
أم قبيح الصورة مشوه الخلقة ناقص الأعضاء ، و إن شئت فقل : إنه في ذلك
الوقت تبر مذاب سيجف بعد حين ، فلنتدبر جيدا في أي قالب نفرغه ، أفي قالب
انسان ، أم في قالب حيوان ، و بعبارة أوضح أقرب لأفهامنا أن الصبي في دوره
الأول آلة مسخرة في يد أبويه ، يطيعهما الطاعة العمياء فيمتثل كل
أوامرهما ، و يجتنب جميع مناهيهما ، و يتأثر بكل ما يراه منهما و يقلدهما
فيه ، فأقل نظرة إلى أي صبي في حال لعبه تدلنا دلالة واضحة على عمل أبيه
و أحيانا على خلقه و قد يكون صورة مصغرة له ، " الولد نسخة من أبيه " ، و
بالجملة فهذا هو الدور الذي له ما بعده فما هي معاملتنا لأبنائنا فيه ؟
نحن في ذلك على أقسام :
فمنا من يهمل ولده أكثر مما يهمل دابته ، لا يسأل
عن شيء من حاله ، و لا يراقب حركته و لا سكونه و لا يعنى بشيء من أمره
إلا إذا تاقت نفسه اليه ،فإنه يطلبه فيؤتى له به فيداعبه مليا ثم يقبله
أربعا ثم يرسله حرا طليقا لا يسأل عما يفعل ، لا يأمره لأنه صغير ، و لا
ينهاه لأنه صغير و لا يعاتبه لأن قلبه رقيق ، معتقدا أن ذلك هو الأصلح
له و هو الواجب في حقه ، و إذا رأى من يؤدب و لده و يأمره و ينهاه
بالحكمة حسبما يليق بعقل الولد ، عد ذلك منه فظاظة و غلظة و سوء تربية
، إذ التربية الحسنة عنده في دور الطفولة هي الإهمال المطلق ، فينشأ
الصبي كما شاءت له الصدف متأثرا بالبيئة و الوسط و المؤثرات الخارجية
، و قلما تكون هذه صالحة إلى حد أن ينشأ المتأثر بها رجلا بجميع معنى
الكلمة ، إلا أن تداركه رحمة ربه .
و منا من يعنى بتربية ابنه ، فيجلب له مربية فاسدة الأخلاق سيئة الطباع
مشوهة الخلقة فيلقى بجوهرته النقية في تلك البؤرة الفاسدة ، فسرعان ما
يتشكل بشكلها ، و تنطبع في مرآة قلبه صورة تامة لأخلاقها ،حتى إذا رأى
ذلك منه ندم ولات ساعة مندم ! و ما معنى
التربية عند هذا القسم من الناس ؟ ليس معناها عنه تنمية الجسم بمراعاة
قوانين الصحة ، و غرس بذور الأخلاق الفاضلة في تربية النفس النقية ، و
إنما معناها إشغال الولد عن أمه و إبعاده عنها مهما كانت كيفية الإبعاد
حتى لا يشغلها عن تدبير منزلها ، هذه هي التربية عند هؤلاء ، و تلك هي
الغاية منها ، و سنفرد لذلك فصلا خاصا نشبع الكلام فيه ، حتى تزول هذه
العقيدة الفاسدة من لأذهان .
و منا من يهمه أمر ولده ، فيتولى تربيته بنفسه ، و لا يرضى أن يفارقه في
غالب الأوقات ، فيذهب به إلى محل حرفته و يصطحبه الى المجامع و
المنتديات و الأسواق ، و يا حبذا هذا إذا راعى في ذلك قواعد التربية
الصحيحة ، كما هو شأن القليل ممن أنار الله بصائرهم ، و لكن جل هؤلاء لا
يتحاشون عن السب و الشتم و النطق بالفحشاء وفعل بعض المحرمات مثل
الميسر بمحضر أبنائهم ، و على مرأى و مسمع منهم ، و عبثا يحاولون بعد ذلك
ردعهم عن مثل هذه القبائح ، فتأثير الأفعال في الولدان أشد و أقوى بكثير
من تأثير الأقوال ، بل لا يتعلمون من نهيهم عنها بعد فعلها أمامهم إلا
النفاق ، و مخالفة القول الفعل ،و هناك الطامة الكبرى !
و منهم من يحضر و لده الى مجتمعه مع أصدقائه ، فيجعلونه ألعوبة
كالكرة بينهم ، يغرسون بأيديهم بذور الرذائل في قلبه الطاهر و هم ضاحكون
مستبشرون ، يأمره أبوه بسب هذا و شتم ذاك ، و ضرب ذلك ، و البصاق في و جه
فلان ، و تعرية عورته للآخر ، و كثيرا ما يمتنع الصبي من فعل ذلك ، إذ
يمنعه منه ذلك الخلق الطاهر الذي طبع الله قلبه عليه و هو خلق الحياء
، فيدفعه أبوه بالقوة و يهدده إن لم يفعل ، فلا يسع المسكين إلا الإمتثال
فيتقدم الى ذلك بخطوات ثقيلة بطيئة و اضعا يده على عينيه أو أصبعه في
فيه من شدة الحياء ، و يعلم الله ما في قلبه الصغير من الألم الشديد
الذي كثيرا ما يذيب قلبه أسفا و حزنا ، فتنفجر عيناه بالدموع ،و أولئك
السادة في ضلالهم يعمهون ، ما منهم إلا من استغرق في الضحك حتى استلقى
على قفاه ، فيقومون من مجلسهم و قد نزعوا عن ذلك المسكين جلباب الحياء
الذي ألبسه الله اياه ، و سيحاولون بعد شرائه له بملء الأرض ذهبا فلا
يجدون و أني لهم كذلك !
ما أكبر جناية هؤلاء ،و ما أعظم جرمهم ، إذ يحسبون أنهم يحسنون
صنعا ، و بعد هذا لا نراك تعجب أيها القارئ إذا قرأت في طليعة المقال
أننا نسقي أبناءنا بأيدينا كاسات السم الزعاف ، و نجلسهم بأيدينا على
أعواد المشانق .
هذه حالنا مع أبنائنا في مرحلتهم الأولى ، و هذه هي تربيتنا لهم ، فاذا
كبروا و تنمروا لنا ، و استأسدوا علينا ، و أذاقونا الأمرين ، حاولنا
التفصي من المسؤولية ، و ألقيناها على القدر تارة و على الدهر أخرى و على
آخر الزمان ، و القرن الرابع عشر ، إلى غير ذلك من مختلف المعاذير
الباردة التي لا تنهض حجة ، و لا تخفف مسؤولية ، فلا الدهر و لا آخر
الزمان ، ولا غيرهما هو المتسبب في ذلك ، و لكن ذلك بما قدمت أيدينا
، فلئن أضللنا العقول بتمويهاتنا و مغالطتنا ، فالله الذي لا تخفى عليه
خافية ، و لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء ، يعلم خائنة
الأعين و ما تخفي الصدور ، و سيجزي كلا بما قدم .
و سنرى في الفصل الآتي كيفية أدائنا
الواجب نحو أبنائنا في دورهم الثاني .
:: أفلح :: .
|