. مقالات الشيخ بيوض في الصحافة .


 

هذان مقالان من المقالات الثلاثة المنشورة تحت عنوان : " واجب الآباء نحو الأبناء "  ، بجريدة وادي ميزاب ، إنها مرآة لذلك العهد في التربية ، و لها قيمة تاريخية كبرى ، كما أنها دليل على ما قارعه المصلحون في الجزائر من أمراض الأمة ، سيما في باب التربية ، فقضوا عليها ، فرجع الآباء و الأمهات إلى التربية الصحيحة و عرفوا واجبهم نحو الأبناء .
و إليكم نص المقال الأول كاملا .


 
 

واجب الآباء نحو الأبناء : ( 1 ) :

الصبي أمانة بيد أبيه أو القيم عليه ، و هو المسؤول عنه أمام الله و الناس ، و عليه وحده يتوقف مستقبل ابنه ، صحة أو سقما ، علما أو جهلا ، سعادة أو شقاوة ، فيجب عليه في آن واحد تربية جسمه و عقله و خلقه ، بذلك تتم سعادته و سعادة أمته به ، بل و سعادة الإنسانية جمعاء و بإهمال شيء من ذلك يشقى و تشقى أمته به، بل و الإنسانية كلها ،فالمرء مهما ضعف و صغرت قيمته فهو فرد من أفراد العائلة الإنسانية الكبرى ، هذه حقائق واضحة ، و قضايا مسلمة ، لا يختلف فيه اثنان ، فليس من غرضنا الآن الاستدلال على صحتها ، و لا تذكير الناس به ، ضرورة أنها عندهم من البديهيات و ليس ثمة جاهل فضلا عن عاقل يحاول طمس هاته الحقائق ، و لا رفع تلك المسؤولية الكبرى عن كواهل الآباء و أولياء الأيتام ، و إنما غرضنا أن نبحث هل الآباء و الأولياء سائرون بمقتضى تلك القواعد المتقررة في أذهانهم ؟ و هل قدروا تلك الأمانات التي بأيديهم حق قدرها ؟ و هل سلكوا بها سبل السلام ؟ و هل أعدوا للسؤال عنها يوم العرض الأكبر جوابا ؟ نقول لم نر فيما رأينا من الآباء و الأولياء - و كثير ما هم - من لا يعترف بتلك المسؤولية ، و لا من يهتم لأمر ولده في حاله و مآله أكثر من اهتمامه لأي شيء سواه ، بل لم نر منهم إلا من جعل ولده نصب عينيه ، في حركته و سكونه ، و يقظته و منامه ، فإذا بخل فلأجله و إذا جبن فبسببه و إذا هلك فعليه ( الولد مبخلة مجبنة مهلكة ) ، بل قد يتفانى فيه حتى لا يرى في الوجود سواه ، يضيع دينه و دنياه و نفسه في سبيل الإحتفاظ به ، يتمنى من صميم قلبه أن يكون ابنه أعظم رجل في العالم ، هكذا حبنا لأبنائنا ، و هذا هو مبلغ عزنا لهم ، و ذلك هو مقدار اهتمامنا بهم ، و لا غرو فهم  أكبادنا تمشي على الأرض .

و بعد فما الذي تركهم في أخريات الأمم ، و ما الذي ألقى بهم في مهاوي الجهالة ، و ما الذي أرداهم في حضيض الرذائل و بؤرة الفساد ؟ و كيف لم يكونوا كما نتمنى لهم رجالا مخلصين عاملين لصالحهم و صالح أمتهم ووطنهم ، بعد أن اهتممنا بهم ذلك الإهتمام ، و بعد أن كرسنا حياتنا للعمل لفائدتهم ؟ هل الذنب في ذلك ذنبهم أم هو راجع الينا ؟
اسمحوا لي سادتي أن أقول لكم : إن الذنب هو ذنبنا ، و أن المسؤولية عائدة علينا و أننا لم نؤد نحو أبنائنا شيئا من الواجب ، و أننا سنحاسب على ذلك حسابا عسيرا و يسأل كل راع عن رعيته .

نحب أولادنا حبا جما ، و نهتم لشأنهم جد الإهتمام ، و نتمنى لهم السعادتين و نعمل لذلك و لكن و ياللأسف نأتي البيوت من ظهورها فنسلك الى السعادة طريق الشقاء ،و نذهب إلى الرشد في سبيل الغي ، و نأتي الفضيلة من جهة الرذيلة ، و بعبارة أوضح نسلك بأفلاذ أكبادنا سبلا نعتقد لجهلنا أن غايتها السعادة ، و هي الشقاء بعينه ، و نجلسهم بأيدينا على كراسي نحسبها عروش فضائل ، و هي أعواد مشانق الرذائل ، نسقيهم لبلهنا كاسات السم الزعاف ، ظانين أنها العسل المصفى ، بعد هذه الأغلاط الفادحة نعتقد أننا أدينا واجبنا نحو أبنائنا ، و أننا تفصينا من مسؤوليتهم ، و أنها ملقاة على كواهلهم و على القدر أو علىالدهر ، كلا و ربك فنحن و حدنا مسؤولون ، و سنؤخذ بالنواصي و الأقدام إن لم نتدارك الأمر ، و نستأنف العمل ، و نأت البيوت من أبوابها فإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما أتلوه عليك .

غير خاف أن أول أدوار الحياة للطفل هو الست سنين الأولى ، تلك هي بذرة الحياة ، فلنغرسها حيث شئنا ، في رياض السعادة ، أو في مهامه الشقاء ، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه قلب الصبي صحيفة بيضاء قابلة لكل نقش و صورة ، فلنتخير ما ننقشه و نصوره فيه ، فهو الثابت الذي لا يتزلزل ، و لا ينسخ و لا يمحو أثره كر الغداة و مر العشي ، و ذلك هو الوقت الذي يكون فيه الصبي شمعا لينا بين أيدينا ، قابلا لكل شكل و هيأة ، فلننظر كيف نصوره أحسن الهندام ، تام الخلقة متناسب الأعضاء أم قبيح الصورة مشوه الخلقة ناقص الأعضاء ، و إن شئت فقل : إنه في ذلك الوقت تبر مذاب سيجف بعد حين ، فلنتدبر جيدا في أي قالب نفرغه ، أفي قالب انسان ، أم في قالب حيوان ، و بعبارة أوضح أقرب لأفهامنا أن الصبي في دوره الأول آلة مسخرة في يد أبويه ، يطيعهما الطاعة العمياء فيمتثل كل أوامرهما ، و يجتنب جميع مناهيهما ، و يتأثر بكل ما يراه منهما و يقلدهما فيه ، فأقل نظرة إلى أي صبي في حال لعبه تدلنا دلالة واضحة على عمل أبيه و أحيانا على خلقه و قد يكون صورة مصغرة له ، " الولد نسخة من أبيه " ، و بالجملة فهذا هو الدور الذي له ما بعده فما هي معاملتنا لأبنائنا فيه ؟

نحن في ذلك على أقسام :
فمنا من يهمل ولده أكثر مما يهمل دابته ، لا يسأل عن شيء من حاله ، و لا يراقب حركته و لا سكونه و لا يعنى بشيء من أمره إلا إذا تاقت نفسه اليه ،فإنه يطلبه فيؤتى له به فيداعبه مليا ثم يقبله أربعا ثم يرسله حرا طليقا لا يسأل عما يفعل ، لا يأمره لأنه صغير ، و لا ينهاه لأنه صغير و لا يعاتبه لأن قلبه رقيق ، معتقدا أن ذلك هو الأصلح له و هو الواجب في حقه ، و إذا رأى من يؤدب و لده و يأمره و ينهاه بالحكمة حسبما يليق بعقل الولد ، عد ذلك منه فظاظة و غلظة و سوء تربية ، إذ التربية الحسنة عنده في دور الطفولة هي الإهمال المطلق ، فينشأ الصبي كما شاءت له الصدف متأثرا بالبيئة و الوسط و المؤثرات الخارجية ، و قلما تكون هذه صالحة إلى حد أن ينشأ المتأثر بها رجلا بجميع معنى الكلمة ، إلا أن تداركه رحمة ربه .

و منا من يعنى بتربية ابنه ، فيجلب له مربية فاسدة الأخلاق سيئة الطباع مشوهة الخلقة فيلقى بجوهرته النقية في تلك البؤرة الفاسدة ، فسرعان ما يتشكل بشكلها ، و تنطبع في مرآة قلبه صورة تامة لأخلاقها ،حتى إذا رأى ذلك منه ندم ولات ساعة مندم ! و ما معنى التربية عند هذا القسم من الناس ؟ ليس معناها عنه تنمية الجسم بمراعاة قوانين الصحة ، و غرس بذور الأخلاق الفاضلة في تربية النفس النقية ، و إنما معناها إشغال الولد عن أمه و إبعاده عنها مهما كانت كيفية الإبعاد حتى لا يشغلها عن تدبير منزلها ، هذه هي التربية عند هؤلاء ، و تلك هي الغاية منها ، و سنفرد لذلك فصلا خاصا نشبع الكلام فيه ، حتى تزول هذه العقيدة الفاسدة من لأذهان .

و منا من يهمه أمر ولده ، فيتولى تربيته بنفسه ، و لا يرضى أن يفارقه في غالب الأوقات ، فيذهب به إلى محل حرفته و يصطحبه الى المجامع و المنتديات و الأسواق ، و يا حبذا هذا إذا راعى في ذلك قواعد التربية الصحيحة ، كما هو شأن القليل ممن أنار الله بصائرهم ، و لكن جل هؤلاء لا يتحاشون عن السب و الشتم و النطق بالفحشاء وفعل بعض المحرمات مثل الميسر بمحضر أبنائهم ، و على مرأى و مسمع منهم ، و عبثا يحاولون بعد ذلك ردعهم عن مثل هذه القبائح ، فتأثير الأفعال في الولدان أشد و أقوى بكثير من تأثير الأقوال ، بل لا يتعلمون من نهيهم عنها بعد فعلها أمامهم إلا النفاق ، و مخالفة القول الفعل ،و هناك الطامة الكبرى !

و منهم من يحضر و لده الى مجتمعه مع أصدقائه ، فيجعلونه ألعوبة كالكرة بينهم ، يغرسون بأيديهم بذور الرذائل في قلبه الطاهر و هم ضاحكون مستبشرون ، يأمره أبوه بسب هذا و شتم ذاك ، و ضرب ذلك ، و البصاق في و جه فلان ، و تعرية عورته للآخر ، و كثيرا ما يمتنع الصبي من فعل ذلك ، إذ يمنعه منه ذلك الخلق الطاهر الذي طبع الله قلبه عليه و هو خلق الحياء ، فيدفعه أبوه بالقوة و يهدده إن لم يفعل ، فلا يسع المسكين إلا الإمتثال فيتقدم الى ذلك بخطوات ثقيلة بطيئة و اضعا يده على عينيه أو أصبعه في فيه من شدة الحياء ، و يعلم الله ما في قلبه الصغير من الألم الشديد الذي كثيرا ما يذيب قلبه أسفا و حزنا ، فتنفجر عيناه بالدموع ،و أولئك السادة في ضلالهم يعمهون ، ما منهم إلا من استغرق في الضحك حتى استلقى على قفاه ، فيقومون من مجلسهم و قد نزعوا عن ذلك المسكين جلباب الحياء الذي ألبسه الله اياه ، و سيحاولون بعد شرائه له بملء الأرض ذهبا فلا يجدون و أني لهم كذلك !

ما أكبر جناية هؤلاء ،و ما أعظم جرمهم ، إذ يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، و بعد هذا لا نراك تعجب أيها القارئ إذا قرأت في طليعة المقال أننا نسقي أبناءنا بأيدينا كاسات السم الزعاف ، و نجلسهم بأيدينا على أعواد المشانق .

هذه حالنا مع أبنائنا في مرحلتهم الأولى ، و هذه هي تربيتنا لهم ، فاذا كبروا و تنمروا لنا ، و استأسدوا علينا ، و أذاقونا الأمرين ، حاولنا التفصي من المسؤولية ، و ألقيناها على القدر تارة و على الدهر أخرى و على آخر الزمان ، و القرن الرابع عشر ، إلى غير ذلك من مختلف المعاذير الباردة التي لا تنهض حجة ، و لا تخفف مسؤولية ، فلا الدهر و لا آخر الزمان ، ولا غيرهما هو المتسبب في ذلك ، و لكن ذلك بما قدمت أيدينا ، فلئن أضللنا العقول بتمويهاتنا و مغالطتنا ، فالله الذي لا تخفى عليه خافية ، و لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ، و سيجزي كلا بما قدم .

و سنرى في الفصل الآتي كيفية أدائنا الواجب نحو أبنائنا في دورهم الثاني .

 :: أفلح :: .

 


. انتقل إلى المقال الثاني .
. ارجــع إلى صفحة مقالات الشيخ بيوض .

 

. الصفحة الرئيسية .
:: جميع الحقوق محفوظة لمجموعة مواقع الشبكة المـزابية
 ::