|
نشرت هذه الرسالة في
مجلة الشباب بمعهد
الحياة القرارة ، عدد 115 ، يوم 03/04/1931.
امجلة لشباب : كنا نوهنا في عدد سابق بعزم بعض
الغيورين من أبناء الجزائر على تأسيس جمعية لعلماء الجزائر ، و دعوتهم
الأستاذ الجليل للمشاركة في لجنة التأسيس ، و إجابته لهم ، و قد وعدنا
إذ
ذاك بنشر نص جوابه لهم ، و ها نحن ننشره إيفاء بالوعد ، و لما فيه من
العبر و الآراء الصائبة ، التي نرى من الواجب علينا ألا نحرم منها قراء
الشباب الكرام و إليكموه بنصه :
|
بسم الله الرحمن الرحيم ، و صلى الله على
سيدنا محمد و آله و أصحابه الطيبين الطاهرين ، و على تابعيهم بإحسان إلى
يوم الدين .
حضرة الوطني الغيور و الوجيه المحترم ، سيدي عمر إسماعيل ، سلام عليكم و
رحمة الله و بركاته ، من أخيكم بيوض إبراهيم بن عمر ، سيدي و ردا على
كتابكم الكريم ، باسم أصدق الروابط و أحقها بالإعتبار ، رابطة الإسلام
الحنيف ، و الوطن الجامع ، و المسؤولية المشتركة ، لمشاركتكم في تأسيس
جمعية لعلماء الجزائر ، تعمل للتعاون معكم على البر و التقوى ، و العمل
على ما يرضي الله في الجهر و النجوى ، لمحاربة هذا الجهل الفاشي في
الأمة ، و تصلح ما أفسده من عوائد و أخلاق .
فنعم ما ارتأيتم ، و ما أحسن ما دعوتم إليه ، و
من أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين . و
من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض و ليس له من دونه أولياء
، أولئك في ضلال مبين .
و قد بشرتمونا بأن العزم أكيد على تنفيذ هذا
الإقتراح ، فشكرا للمقترحين و العاملين و المؤازرين .
سيدي إن منظر الشعب الجزائري و الأمراض الاجتماعية ... منه تهد قواه ، و
تهدم بنيانه ، و سبل الإلحاد و التفرنج تتخذ في جسمه شكلا مريعا ، و
الجهل المطبق الفاشي يفتك بأبنائه فتكا ذريعا ، و نفايات الإسبان و
الطليان يبتزون أمواله و يمتصون دماءه ، و يتخذون من أبنائه الأحرار
عبيدا ، يجثون أمامهم على الركب ركعا ، و يخرون للأذقان سجدا على
الأتربة و القاذورات ، فتتسخ ثيابهم و أيديهم و أرجلهم و وجوههم ، لتنظف
نعال ساداتهم ، يتعبون ليستريحوا ، و يشقون لينعموا ، و يسهرون ليناموا ، و
أخيرا يموتون ليحيوا .إنه لمنظر يفتت الأكباد و يذيب القلوب حسرة و
أسى .
و إن تفكك روابط الجزائريين و المصاب عظيم ، و انفصام عراهم ،و الخطب
ملم ، و تنازعهم و البلاء بهم محيط و اختلافهم البيزنطي و الخطر محدق ، و
غطيطهم في سباتهم ، و الويلات تتوالى عليهم من فوقهم و من تحت أرجلهم ، و
عن أيمانهم و عن شمائلهم ، و تأخرهم دينا و خلقا وعلما و صناعة و بناء
، و إخلادهم الى الدعة و السكون ، و رضاؤهم بالدون ، و قد سبقتهم إلى
قصبات السيف في ميدان الحضارة و الرقي شعوب ، لم يكن لها مثل تاريخهم ، و
لا مثل حضارتهم و فنونهم و مثل أبطالهم و نوابغهم ، شعوب كانت متوحشة إلى
عهد قريب ، و جمودهم ، و قد نظف الجماد ، و سار و طار و غاص في لجج
البحار ، و تصاممهم ، و قد انزعجت أصوات النذر الطيور في أوكارها ، و
الأنعام في مراتعها ، و الهوام في أجحارها ، تزهق به الأرواح ، و تموت
الضمائر الحية ، و تنسد أبواب الرجاء ، ليتمكن اليأس من قرارات النفوس ، و
يحمل الضنين بحياته على التمثل بقول ذلك الفيلسوف :
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ، و يانفس جدي إن دهرك هازل
.
غير أن من دواعي
الغبطة و بواعث الأمل تنبه أمثالكم لهذا الخطر العظيم ، و الخطب المدلهم
، و قيامكم بصادق العزم بتلافي خطرها ، بلم الشعب ، و رأب صدعه ، و جمع
شمله ، في أشخاص علمائه ، و توحيد جهود العاملين ، و رص صفوفهم .
فما أسد هذه الفكرة ، و ما أحكم هذا الرأي ، فما من سبيل لعلاج الحالة سوى
ذلك . فادأبوا على عملكم ، و سيروا نحو غايتكم ، و ادرعوا بعزيمة الصبر
، فما من أحد بلغته دعوتكم بمعرض عنها ، و لئن حالت الضرورات دون حضور
البعض بشخصه ، فهو معكم من غير شك بفكرته و روحه .
إن لي الشرف أيها السادة أن تدعوني للإنتظام في لجنة التأسيس ، و حبذا
لو تم لي ذلك ، و لكن بعد الدار و اشتغالي بقطع أشغالي ، و أخذ الأهبة
لحج بيت الله الحرام في موسم هذا العام يحولان دون ذلك .
فمعذرة أيها الكرام ، فأنتم أدرى الناس بما يتطلبه مثل هذا السفر
الشبيه بسفر الآخرة ، غير أن ذلك لا يمنعني من إبداء ملاحظة متواضعة لحضراتكم
، علها تصادف قبولا : هي أن تسترشدوا على الأخص في وضع قانون الجمعية
بقانون جمعية الشباب المسلمين بمصر ، فهي في نظري أصلح و أصدق ، و أوفق
جمعية للمسلمين في هذا العصر ، كما لا يخفى على من تتبع سيرها و أعمالها
، و طالع مجلتها ، و لايصدنكم عن ذلك إن نسبت للشبان ، و جمعيتنا للعلماء
، فشبابهم في الأعم الأغلب أعلى مقاما من أكثر علمائنا .
ثم إني قبل الختام أهمس في أذنكم همسة خفية ، هي أني فهمت من عنوان
الجواب أن اجتماع لجنة التأسيس بنادي الترقي ، و قد كنا نسمع أن الخمر
تتعاطى فيه ،و لا تعلم نصيب ذلك من الصحة ،فإن صح ما قيل ،فأول واجب
عليكم تطهير المحل من درن تلك الموبقة ، و إلا فإنه يستحيل على المتمسك
بدينه طروق بابه ، خصوصا و هو مناقض للمقصود من المؤسستين النادي و
الجمعية ...
|
|