|
لقد كان الشيخ بيوض (
رحمه الله ) ، من الرجال الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه ، فقد قضى
عمرا حافلا بالجهاد في سبيل الله ، و في سبيل إحياء كلمة الحق ، و قد
كان واحدا من المجاهدين الذين عملوا في أكثر من ميدان و رابطوا في أكثر
من جبهة ، فمع جهاده لدحر المستعمر الفرنسي من الوطن ، كان من جهة أخرى
يضيء شمعة العلم و الإيمان ، و يقود الحركة الإصلاحية العلمية و
الدينية ، و قد خلف الشيخ وراءه عدة إنجازات عظيمة تشهد على صدقه و
تفانيه في العمل ، و تواصل مسيرته المباركة ، و لأننا لا نستطيع حصر
إنجازاته المباركة في صفحة واحدة ، فإننا سنذكر أهم و أبرز
إنجازاته التي كانت بذورا لإنجازات أخرى تواصل نموها حتى بعد وفاته
رحمه الله .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وولد صالح
يدعو له ، و علم ينتفع به "
1 - معــهـــد الحيــاة
:
تأسس هذا المعهد المبارك ، و الصرح العلمي الشامخ يوم الجمعة : 18 شوال
1343 م ، الموافق لـ : 21 ماي 1925 م ، و قد كان بحق منارة للعلم و
الثقافة في وادي مْزاب و العالم الإسلامي قاطبة ، إذ يعتبر أول معهد
علمي متطور في الجـزائر ، و لم تقتصر مهامه على التعليم الديني فقط ،
بل تجاوزته إلى تدريس جل العلوم الحديثة ، و كان هدفه تربية جيل مثقف
متخلق من الشباب يخدم وطنه ، و يتحمل المهمة بعد أساتذته ، و قد
كان شعاره : " الأخلاق قبل الثقافبة و مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد "
، و قد سار به الشيخ في مضمار الرقي و الإزدهار ، و تخرج على يده أجيال
من الرجال المثقفين الذين انتشروا في البلاد الإسلامية ليوقدوا شمعة
العلم و الإصلاح في أرجائه ، فكان منهم المعلم و المؤلف و الواعظ و
الكيميائي و الشاعر ، و يعتبر المعهد كذلك مرجعا تعليميا للإباضية عبر
العالم ، إذ يقصده الطلبة الإباضية من عمان و زنجبار و ليبيا و النيجر
و حتى من ساحل العاج ، بل تعدى الطلبة الإباضية ليستقبل كذلك وفودا من
أتباع المذاهب الأخرى من جميع البلاد الإسلامية ، ليغدو صرحا علميا
إسلاميا بحق ، و ذلك هو نتاج الثمرة التي بذرها الشيخ بيوض رحمه الله .
و قد علق الشيخ بيوض على مقولة الامام محمد الغزالي :
"
لا خلاص لنا إلا أن نهتم بالمعاهد اهتمامنا بالمساجد ,و
أن نبني بجانب كل مسجد معهدا , و نبني بجانب كل
معهد معبدا " ، بقوله : " و قد سبقت لنا
بحمد الله دعوات في هذا المجال منذ سنين , وهو
ما طبقناه عمليا بعد مجهودات جبارة , فقامت هذه
المؤسسة العتيدة لمعهد الحياة إلى جانب المسجد ,
صرحا شامخا للتربية المحمدية , و منارا للإسلام
, و تلك هي قناعتنا منذ أن خطونا الخطوة الأولى
في الإصلاح الديني و الإجتماعي " .
2 - الحركــة الإصلاحية
:
لقد واصل الشيخ بيوض الحركة الإصلاحية المباركة التي ابتدأها القطب
رحمه الله ، و قد أحسن حمل الأمانة فكان من نتاج هذه الحركة المباركة
أجيال من الشباب المزابي المثقف ، و القضاء على البدع و المحدثات
الفاسدة في المجتمع ، و مجتمع إسلامي بكل ما تحمله الكلمة من
معان ، هو ذاك الذي عُرف بالمجتمع المسجدي ، لقد كانت أجيال
الشباب المزابي كما أرادها الشيخ بيوض ، متطورة متفتحة على التكنولوجيا
الحديثة و ميادين العلم ، و متصفة في نفس الوقت بأعلى درجة من التمسك
بالأخلاق الإسلامية الفاضلة و العلم ، إن ذاك المجتمع المسجدي كذلك هو
ثمرة لبذرة الشيخ بيوض رحمه الله .
3- مقاومة الإستعمار
الفرنسي :
لقد كان الدور
الجوهري الذي لعبه الشيخ بيوض في مقاومة الإحتلال الفرنسي من أبرز
إنجازاته المباركة ، فقد كان من أشد المقاومين أثناء فترة المقاومة
السياسية ، و قد كان يشارك بمقالات عدة في صحف الشيخ أبي اليقظان ، و
الصحافة الوطنية ، يفضح فيها دسائس الإستعمار و مؤامراته ، كما عارض
بشدة قانون التجنيد الإجباري حتى أصدرت السلطات الإستعمارية قانونا
يعفي الشباب المزابي من التجنيد الإجباري ، و قد ضافت السلطات الفرنسية
به ذرعا مما أدى إلى الحكم عليه بالإقامة الجبرية ، فظهرت بعد ذلك قضية
فصل الصحراء عن الشمال ، التي يرجع إليه كل الفضل في إحباطها ، حيث
عارضها منذ ظهور مشروعها سنة : 1947 حتى آخر يوم من التواجد الإستعماري
في الجزائر .
كما كان عضوا تأسيسيا بارزا في جمعبية العلماء المسلمين الجزائريين ،
التي قاومت الإستعمار بكل ما أوتيت ، و التي قاد أبناؤها فيما بعد
الثورة الجزائرية .
و بعد قيام ثورة التحرير الجزائرية ، كون خلية ثورية مزابية تعنى
بإيواء الجنود و جمع الأسلحة و المؤن و الأموال لفائدة الثورة ، و كان
المزابيون في الشمال الجزائري بفضل توجيهات الشيخ بيوض من أخلص
مساندي الثورة ، و كانت محلاتهم مستودعات للمؤن و الذخيرة و الوثائق و
المنشورات السرية لجبهة التحرير .
4 - في رحاب
القرآن :
في غرة محرم 1353
هـ/6 ماي 1935 افتتح أول درس لتفسير القرآن
الكريم بالمسجد الكبير بتيـﭭـرار ( القرارة ) و استمرت هذه الدروس تغذي المسيرة
الإصلاحية للأمة , و تسجل في جبين الأمة
الإسلامية عامة و الجزائرية خاصة صفحة من عز و نور ,
إلى غاية 25 ربيع الثاني 1400 هـ/12 فيفري 1980 م ، حيث أتم
التفسير و أقيم بهذه المناسبة الكبيرة مهرجان مشهود يوم 23 ماي 1980 م
، و قد كان ذاك التفسير من أبرز آثاره و إنجازاته ، رغم أن جزءا كبيرا
منه ضاع ، و قد تكفل أبناؤه المخلصون بطبع ما كان محفوظا على الأشرطة
السمعية ، و نفسير الشيخ بيوض يستحق كل عناء ، فهو من آثاره النفيسة .
|