|
1- المدينة :
إن المدينة المزابية قد
خضعت في تخطيطها إلى قواعد المدينة الإسلامية و الشمال-إفريقية عموما ،
باعتبار المزابيين من أعرق شعوب الشمال الإفريقي .
أول ما يهتم به المِـزابيون ، كان الموقع ، إذ كانوا يختارون لها موقعا مراعين في ذلك قدرة المدينة على
الدفاع ضد المغيرين ، و وقايتها من فيضانات الأودية ، و الحفاظ على
الأراضي الزراعية ذات التربة الطيبة .
و إن أول ما يشد انتباه الملاحظ للمدن المزابية الحديثة ( إبتداءا من
تجنينت و انتهاءا بتيـﭭْـرار ) ، توضّعها على روابٍ ( هضبات ) ، و هذا
لا ينطبق على المدن المزابية القديمة .
و يرجع سبب ذلك للظروف الأمنية الصعبة التي عاشها المزابيون في ذلك
الوقت ، إذ كانت بلادهم تقع في منطقة جيرانها لا يُـؤتمنون ، إذ كانوا
لا يعتمدون سوى على النهب و السلب في حياتهم ، و قد فصّل الشيخ علي
يحيى معمر في هذا الموضوع في كتابه : الإباضية في موكب التاريخ .
في أعلى تلك الربوة ، يتوضع المسجد ، و اختيار المِـزابيين هذا
الموقع لإقامة المسجد لدليل على أهميته لهم ، إذ يشكل النواة المركزية
و الروحية للقصر ، نظرا لوظائفه المتعددة ، فهو بجانب وظيفته الدينية ،
يلعب دور قاعة الإجتماعات الهامة و المركز العلمي للمدينة و مخزن
المؤن ، و المركز الدفاعي للمدينة ، إذ نجده في المدن المزابية محصنا و
يصعب الوصول إليه ، و يعتبر مسجد آت بونور من أحصن المساجد المزابية .
بجانب المسجد ، تتدرج المساكن متلاصقة متلاحمة لا يعلو واحد على آخر
على امتداد الربوة ، حتى تنتهي بمجموعة أبراج دفاعية و سور مُـحصّـن
يحيط بكامل المدينة .
غالبا ما كان السور يتكون من ظهور منازل لا تفتح أبوابها
إلا إلى الداخل ، أما في الإمتدادات الأخيرة للمدن المزابية ، أصبح
بعضها يتمتع بأسوار مستقلة عن المنازل ، بينها و بين هذه الأسوار شارع
عريض ، و يكون السور عادة سميكا من الأسفل و يتناقص هذا السمك كلما علا
السور .
ذلك هو الحال بالنسبة لآت ايزجن ، المدينة المِـزابية الوحيدة
التي لازالت تحافظ على سورها كاملا ، حيث يبلغ طوله : 2500 متر ، و
ارتفاعه حوالي 3 أمتار ، يختلف ارتفاع السور حسب موقعه ، حيث يكون
مرتفعا في المنطقة المستوية أسفل الهضبة ، بينما يقل ارتفاعه في
المناطق الشديدة الإنحدار منها ، و يتخلل السور فتحات للرماية ضيقة من الخارج و
واسعة من الداخل ، حتى يتسنى لأهل القصر النظر إلى الخارج ، بينما يصعب
للغرباء التجسس إلى الداخل .
أما
الأزقة ، فهي عادة ذات ثلاثة أذرع عرضا ، روعي في عرضها أقل ما يكفي
لتلاقي دابتين ، و لتمرير جنازة ، كما روعي في تخطيطها مقاومة الرياح و
الزوابع الرملية ، و التقليل من مدة اشعاع الشمس أيام الحر ، و
الإعتدال في انحدارها بحيث يمكن للسكان استعمال الدواب للتنقل و النقل
.
كما نلاحظ تسقيف بعض الطرقات ، وهذا لأهداف دفاعية ، منها أن العدو
الراكب ، إذا تمكن من دخول المدينة ، فإنه لا يستطيع الوصول إلى المسجد
، قلبها و مركز قيادتها ، و مستودع الذخيرة و المؤن ، كما أن هذه التسقيفات ،
تمكّن أهل
المدينة من التنقل على السطوح من حي إلى حي ، دون اللجوء إلى الأزقة .
و ربما كان الداعي لهذه التسقيفات كذلك ، الحصول على المزيد من الظل
صيفا ، و الوقاية من الرياح و الزوابع الرملية .
|
 |
 |
 |
|
التخطيط
العام للمدينة المزابية و انسياب الأزقة بين البيوت ( تيـﭭـرار )
. |
الأزقة
المسقفة |
ضيق الأزقة |
و هناك بعض الشوارع
أكثر عرضا من غيرها، مزودة بمقاعد مبنية ، كانت قديما أسواقا للمدينة ،
حيث أن المدن المزابية مرت بمجموعة من التوسعات على مدى تاريخها ،
فرضها التزايد الديمغرافي للمدن ، و كان المزابيون في كل توسعة ينشئون
سوقا و سورا و أبراجا جديدة
للمدينة
.
و من أول اهتمامات المنشئين للمدينة كذلك ، حفر البئر العمومية ، التي لا
يمكن تصور الحياة بدونها ، ثم تتلو هذه البئر آبار أخرى كلما امتد
العمران .
و الجدير بالذكر أن عملية الحفر هذه ليست بسهلة ، إذ تتم في الصخر ( في
جميع المدن باستثناء تيـﭭْـرار ) ، و على عمق قد يزيد
على سبعين مترا ، و بالوسائل التقليدية .
يراعى في مساجد مْـزاب البساطة و التقشف و الإبتعاد عن كل ما قد يشغل
المصلي عن الخشوع في عبادته ، حتى المحراب فإنه خال من أي زخرفة
، حتى في المساجد المبنية حديثا ، و هذا التزاما بتعاليم الشرع
الإسلامي .
و من أهم مميزات المسجد المزابي ، المئذنة ، التي يتخذها المزابيون
عادة رمزا لهم نظرا لتميزها ، و قد اختارتها الشبكة المزابية رمزا كذلك
.
إن المئذنة المزابية من أهم ابداعات المهندس المزابي ن و قد استطاع أن
يصدر شكلها إلى عدة مناطق في الشمال الإفريقي ، حتى
المناطق الشمالية للنيجر و مالي .
تنتصب المئذنة على شكل هرمي مقطوع ذي قاعدة
مربعة ، على سبيل المثال فإن مئذنة تغردايت بها 122 درجة ،
علوها 22 مترا، عرض قاعدتها 6 أمتار ، و عرض أعلاها متران ، سمك
جدرانها يتناقص من متر واحد إلى 30 سم .
بجانب المسجد تقع الميضأة و محاضر تعليم الصبيان ، و فوقه المخازن و
السطح و مقر اجتماعات العزابة الذي يسمى تامنايت .
تختلف مساحة و أهمية السطح من مدينة لأخرى ، حيث يعتبر سطح مسجد
تيـﭭْـرار من أوسعها ، مما أكسبه أهمية و وظائف أكثر ، حيث يستقبل جموع
المصلين في الأيام الصيفية الحارة ، في صلوات الفجر و المغرب و
العشاء .
|
 |
 |
|
بساطة المساجد . |
مئذنة مزابية ( آت
بونور ) |
أما السوق ، فقد زادت مساحتها لتصبح ساحة واسعة ، بعد أن كانت شارعا في
الأنسجة المبدئية للمدن المزابية ،
كما تطورت وظيفتها الإجتماعية ، إذ كانت أول الأمر مكانا لتبادل
المنتجات بين أهل المدينة ، و بينهم و بين قوافل البدو التي تقصد
التجمعات السكنية للتجارة ، ثم أصبحت بعد ذلك تؤدي وظيفة اجتماعية
أساسية ، إذ هي المكان العمومي الوحيد بعد المسجد ، الذي يمكن لأهل
البلدة أن يجتمعوا فيه ، و يتبادلوا الأخبار ، و يتفقدوا أحوالهم
يوميا ، و يستريحوا من تعب العمل ، بالإضافة إلى ممارستهم البيع و
الشراء .
تختلف أشكال مساحات الأسواق ، فإذا كانت سوق آت ايزجن غير منتظمة
الشكل تحيط بها مقاعد مبنية ، فإن سوق تغردايت مستطيلة تحيط بها 98
قوسا متفاوتة الأبعاد ، طولها 75 مترا ، و عرضها 44 مترا .
|
 |
|
ساحة السوق ( آت
ايزجن ) |
|